أصحاب المعالي والسعادة،
أيها الحضور الكريم،
لا حاجة بنا، في ما يتعلق بالتمييز ضد المرأة، الى انتظار الغاء "الطائفية الجندرية" من النفوس لكي نبدأ الغاءها من النصوص. ففي هذا المجال، لا تنطبق هذه المقولة لأن المعايير مختلفة:
• عندما نتحدث عن الغاء الطائفية تقفز الى أذهاننا التوازنات الوطنية بين مختلف الفئات، ولكن عندما نتحدث عن الغاء "الطائفية الجندرية" نتطلع الى معالجة خلل في التوازن الاجتماعي على كل المستويات.
• وعندما نتحدث عن الغاء الطائفية، نفكر فوراً بالمناصفة بين المسيحيين والمسلمين، وهي من الثوابت التي نؤمن بضرورة الحفاظ عليها، ولكن عندما عندما نتحدث عن الغاء التمييز ضد المرأة، يكون الهدف تحقيق "المناصفة بين الجنسين"، اذا جاز التعبير، في شؤون المجتمع والوطن، وبكلمات أخرى اشراك نصف المجتمع، اي النساء، في الانتاج وصناعة القرار.
إن مَسارَي النفوس والنصوص متلازمان في ما يخص القضاء على التمييز ضد المرأة، بل إن تنقية النصوص من كل تمييز، أو ما نسميه "تنزيه التشريعات والقوانين"، هي الخطوة الأولى وبداية الطريق نحو تعزيز دور المرأة، وتكريس حقوقها، واحداث تحول في النفوس. وهذا التحول يجب أن تتضافر لتحقيقه الجهود في مجالي التربية والاعلام، وسواهما، مع الاصلاح على المستوى الاشتراعي، من أجل تحقيق أهداف "الإستراتيجية الوطنية العشرية لشؤون المرأة في لبنان".
ان الدستور اللبناني، في مادته السابعة، يشكل الاطار العام والأرضية الصالحة للقضاء على التمييز ضد المرأة، اذ ينص على أن "كل اللبنانيين سواء لدى القانون وهم يتمتعون بالسواء بالحقوق المدنية والسياسية ويتحمّلون الفرائض والواجبات العامة دونما فرق بينهم".
كما ان المعاهدات والاتفاقات الدولية التي التزم بها لبنان، ومنها الإتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)، تعتبر هي الأخرى جزءاً من هذا الأرضية.
ان المطلوب اليوم تنقية كل القوانين والمراسيم من كل أشكال التمييز ضد المرأة، سواء في قانون العقوبات أو في قانون الجنسية أو في قوانين الاحوال الشخصية.
ولا شك في أن إطلاق "الحملة الوطنية لتنزيه التشريعات التمييزية والمجحفة ذات الأثر الإقتصادي السلبي على المرأة"، يمثل خطوة بالغة الأهمية ضمن هذا السياق.
إن قانون العمل وقانون الضمان الاجتماعي، وقانون ضريبة الدخل، والقوانين المتعلقة بالوظيفة العامة، وقانون التجارة، لا تزال تنطوي على بنود تمييزية مجحفة ولا بد بالتالي من العمل على تعديلها بجدية واصرار.
ومن ذلك أن المادة 3 من المرسوم الاشتراعي الرقم 3950 (نظام التعويضات والمساعدات) تعطي الموظف الذكر الحق بالاستفادة من تعويض عائلي عن أفراد عائلته، في حين أن الموظفة محرومة من هذا التعويض الا في حالات حددت في المادة السادسة من المرسوم نفسه كحالة عجز الزوج و الترمل. والمطلوب تعديل المرسوم 3950 بإلغاء المادتين 3 و6 والاستعاضة عن المادة 3 بنص يعطي الموظف، ذكراً كان أم أنثى، تعويضاً عائلياً عن أفراد عائلته شرط عدم الازدواجية في تقاضي التعويض.
اما المادة 26 من المرسوم الاشتراعي رقم 47 تاريخ 29/06/1983 (نظام التقاعد والصرف من الخدمة ) فقد تم تعديلها بعد مراجعة تشريعية بحيث ساوت بين المراة والرجل في حقوق أفراد عائلة الموظف او الموظفة المتقاعدة المتوفاة في الاستفادة من راتبها التقاعدي.
كما اجريت تعديلات على نظام المنافع والخدمات في تعاونية موظفي الدولة بحيث لم يعد هنالك تمييز بين المرأة وبين الرجل في ما يتعلق باستفادة أفراد العائلة من الطبابة والاستشفاء وسواها من التقديمات الاجتماعية.
كما ان ثمة أحكاماً في قانوني العمل والضمان تستثني المرأة العاملة في القطاع الزراعي وخدم المنازل، وهم في الغالب من النساء.
وثمة أيضاً أحكام مجحفة تتعلق بإجازة الأمومة، وبحرية المرأة في اختيار نوع العمل ومكانه وتوقيته، وبحماية المرأة من التحرش الجنسي.
ايها السيدات والسادة،
لقد بذلت في الأعوام الأخيرة جهود كبيرة لرصد أوجه التمييز في حق المرأة.
وبعد نضال طويل، أمكن تغيير التعريف الضيق والحصري لمفهوم المواطن أو الموظّف أو الأجير، فلم يعد غياب تاء التأنيث عن تلك الكلمات يستتبع تفسيرها على أنها تعني الذكر فقط، ولم يعد بالتالي ذريعة لحرمان المرأة الكثير من الحقوق والتقديمات.
ومنذ النصف الثاني من ثمانينات القرن الفائت، توالت الانجازات في مجال الغاء التمييز في حق المرة، بدءاً من توحيد نهاية سن الخدمة للرجال والنساء في قانون الضمان الاجتماعي، مروراً بالاعتراف بأهلية المرأة للشهادة في السجل العقاري، وبأهلية المرأة المتزوجة لممارسة التجارة من دون إجازة من زوجها، وبأهليتها في ما يتعلق بعقود التأمين على الحياة، وصولاً الى تعديل المادة الأولى من القانون رقم 149 بتاريخ 30/10/1999 المتعلق بالمساواة بين الموظفة والموظف في الاستفادة من نظام المنافع والخدمات في تعاونية موظفي الدولة، وتعديل المادة 26 من قانون العمل بحيث تحظر على صاحب العمل التفرقة بين العامل و العاملة، والمادة 28 لجهة تأكيد حق النساء العاملات في نيل اجازة أمومة لمدة سبعة أسابيع، والمادة 29 بحيث اصبحت تنص على دفع أجر كامل للمرأة أثناء اجازة الأمومة و تحظر صرفها أو توجيه الانذار لها خلال مدة الولادة، والمادة 52 التي باتت تمنع توجيه الأنذار الى المرأة الحامل.
وفي المجال الضريبي، عملت وزارة المالية على ادراج مادتين في مشروع موازنة العام 2010 تتيحان للمرأة الافادة من التنزيل ورسم الانتقال. فالمادة 44 نصت على انه في حال كان كل من الزوجين مكلفا بالضريبة على الدخل، يستفيد كل منهما من التنزيل المعطى للعازب، واذا كان للزوجين اولاد على عاتقهما يختار الزوج والزوجة مَن منهما يستفيد من التنزيل الاضافي عن الاولاد.
اما في ما يتعلق برسم الانتقال، فقد اضيف بند بالاعفاء عندما يكون على عاتق الوارث زوجة.
ونلاحظ من كل ذلك أن عملية مراجعة واسعة أجريت لعدد من القوانين التي تتضمن تمييزاً، وأقر مجلس النواب قوانين لتعديلها، وخصوصاً لجهة المساواة في الأجر ومنع صرف العاملات الحوامل، وإلغاء العقبات الموضوعة أمام ضمان المرأة الموظفة لعائلتها، لكن بعضها لا يزال تنتظر المراسيم التنفيذية. كذلك تم إعداد مشاريع قوانين لتعديل نصوص أخرى، لكنّ ثمة تأخيراً في تحريكها، يا للأسف، على مستوى مجلس النواب.
كذلك، أن لبنان لا يزال يسر على استثناء العمال المنزليين من نطاق تطبيق قانون العمل. فلا بد إذن من متابعة إقرار مشروع قانون يضمن حماية حقوقهم إضافة إلى مشروع تعديل قانون العمل لا سيما لجهة المادة 65 منه فيما يتعلق بالمساواة في الأجر بين العمال والعاملات لعمل ذي قيمة متساوية دون تمييز لأسباب الجنس حتى في حالات العمل ذات الطبيعة المختلفة، كما متابعة توظيف النساء في الخدمة المدنية حيث تبين نسبة التوظيف الضئيلة لهن وضعف تمثيلهن في مراكز القرار.
أيها الحضور الكريم،
اذا كان تنزيه القوانين خطوة ضرورية واساسية في مسيرة الغاء التمييز في حق المرأة، وبداية للتحول المطلوب، فان تغيير العقليات والممارسات ليس نزهة، بل قد يكون الجزء الأصعب والأطول زمنياً من الطريق.
والتغيير يجب أن يحصل في المنزل، حيث يجب ألا يعود الأب أو الزوج عقبة أمام عمل المرأة وطموحها، وفي المجتمع والوسط الاجتماعي، حيث يفترض أن تتغير النظرة الى المرأة المتعلمة والعاملة والناشطة، وفي مكان العمل، خاصاً كان أم عاماً، حيث ينبغي أن تصبح كل الوظائف متاحة للنساء كما للرجال، من دون حصر بعضها في الذكور، وحيث يجب أن يكون الوصول الى المناصب القيادية ومواقع القرار، مفتوحاً امام المرأة، وحيث يجب أن تكون الأجور والمنافع والتقديمات متساوية.
ان الأرقام تشير الى أن 25% من النساء اللبنانيات لديهن عمل اقتصادي ذو مردود مباشر، وهذه النسبة لا تشمل العاملات في الزراعة وتربية الماشية والحرف والخدمات المنزلية.
ولا شك في أن الجهود يجب أن تنصّب، في موازاة الشق التشريعي، على مضاعفة هذه النسبة في مرحلة أولى، وعلى زيادة عدد النساء في المواقع القيادية، وفي الادارة العامة، وفي المعترك السياسي.
كما ينبغي التركيز، من خلال التربية والاعلام، على اعداد أجيال مستقبلية ترفض من تلقاء نفسها التمييز في حق المرأة، فضلاً عن تشجيع السياسات التوظيفية الصديقة للمرأة، ووضع قوانين تردع بحزم أي تمييز ضدها. ويتكامل كل ذلك مع العمل على تمكين المرأة علمياً ومهنياً واقتصادياً وسياسياً، وتشجيع عودة النساء الى العمل بعد الحمل وتربية الأولاد.
وختاماً، أتوجه بالشكر الى منظمي هذا المؤتمر، وتحديداً الى حزب القوات اللبنانية، والى السيدة ستريدا جعجع، وبالاذن من بعض فقهاء اللغة، سأزيد تاء التأنيث على صفتها السياسية، وسأقول "النائبة" وليس "النائب"، فالتغيير يمكن أن يبدأ… من اللغة أيضاً.