#adsense

كلمة الدكتورة فهميّة شرف الدين في ندوة عن “تفعيل دور المرأة في المجتمع اللبناني” في معراب

حجم الخط

معالي الوزراء
سعادة النائبة ستريدا جعجع، سعادة النواب
سعادة السفراء والسفيرات
أيها الحضور الكرام
اسمحوا لي بداية أن أتوجه بالشكر لسعادة النائبة السيدة ستريدا جعجع لإتاحة الفرصة لي لأتحدث إليكم عن موضوع لم يحض حتى الآن بالاهتمام اللازم، وهو تاريخ الحركة النسائية اللبنانية.
هذه الحركة التي كانت في طليعة الحركة النسائية في العالم العربي، أكان ذلك في تاريخ النشوء أم في الأهداف والغايات التي تنادت من أجلها النساء اللبنانيات.

وفي الوقت القليل المخصص لي للحديث عن تاريخ هذه الحركة، أود أن أتوقف عند محطات ثلاث كانت تتقاطع بصورة موضوعية مع تحولات تاريخية ساهمت في تطور الحركة النسائية اللبنانية.

المحطة الأولى، أي البدايات:
ومع أن البدايات لا تزال موضع جدل بين الكاتبات اللبنانيات اللواتي أرخن لهذه الحركة والجدل قائم فيما أعتقد في معنى الحركة وعناصر شكلها وقد يظل هذا الجدل قائم بالنظر إلى العدد القليل في الأبحاث التي اهتمت بالتأريخ لهذه الحركة.

ومهما يكن من أمر هذا الاختلاف فإن المجلس النسائي اللبناني بصيغته الحالية هو نتيجة موضوعية لتقاطع الظروف العالمية والمحلية التي أتاحت للمرأة اللبنانية ان تعبر باكراً عن انتمائها للوطن كما تقول اميلي فارس ابراهيم، واكتسبت هويتها كإنسان كامل من خلال مشاركتها في المعركة من أجل الاستقلال.

ولم يكن باستطاعة الجمعيات اللبنانية التي تعاونت من أجل تشكيل المجلس النسائي أن تتخطى الأوضاع الاجتماعية والثقافية والسياسية التي كانت سائدة آنذاك، وقد انعكست هذه الظروف في رؤية الحركة لدورها ومهامها. هكذا حدد المجلس النسائي غاياته في الوثيقة التأسيسية الأولى بأنها "العمل في سبيل رقي المرأة، وممارسة حقوقها وواجباتها…" و كان رقي المرأة هنا يشير إلى تعليم المرأة وإتاحة الفرصة لها لأن تعمل، وقد انعكست هذه الخيارات في البرامج والخطط كما في الدستور الذي صاغته الحكومة الاستقلالية.
فالمساواة بين المواطنين التي شكلت جوهر الدستور اللبناني كانت كافية لتعبئة جهود اللبنانيات من أجل الاستقلال: لقد كان شعار تحرير النساء معادلاً للحداثة في خطاب الحركة الوطنية، ومفردات الاصلاح الاجتماعي تعتبر إصلاح وضع المرأة إصلاحاً لأوضاع المجتمع.

لم تتوقف الحركة النسائية اللبنانية كثيراً امام ما تضمنته قوانين الأحوال الشخصية وقانون الجنسية وغيرها من القوانين من إجحاف بحق المرأة مما أدى إلى تعطيل مبدأ المساواة الذي يضمه الدستور. فالمرأة اللبنانية في خمسينات القرن الماضي لم تجرؤ على طرح حريتها كشرط للمساواة.

المرحلة الثانية، أو المراوحة النظرية:
لو راجعنا القوانين الأساسية للمنظمات النسائية التي استطاعت أن تتشكل رسمياً لوجدنا أنها تستمد رؤيتها للمرأة من مرجعين: الأول هو مرجعية الحداثة التي تجعل من مفهوم التقدم ركناً أساسياً في عملية التغيير الاجتماعي، والثانية هي المرجعية الوطنية التي تتركز على الاستقلال الوطني وتدمج بين الاستقلال والتنمية.
هل يعني ذلك أن رؤية المرأة لقضاياها لم تتغير بين الخمسينات وتسعينات القرن الماضي. قد يكون الجواب نعم ولا؛ نعم بمعنى أن تغيرات أساسية قد طرأت على رؤية المرأة لنفسها ولمكانتها في المجتمع بالتوازي مع ما حصل من تغيرات وحراك في رؤية الحركات السياسية المختلفة وهو لا، يعني ان الحرب الداخلية التي اندلعت سنة 1975 غيرت في اهتمامات الحركات الاجتماعية والسياسية، فالحفاظ على الحياة والمساعدة في تخفيف الآلام أعادت الحركة النسائية إلى وظائف رعوية كانت قد بدأت تتخلى عنها. كما أن الانقسامات الطائفية أدت إلى تعطيل عمل المجلس النسائي كقوة معنوية اتحادية قامت على مبدأي التضامن والوحدة الذان أرست دعائمهما معركة الاستقلال الوطني.

هكذا راوحت رؤية الحركة النسائية مكانها، فلم يتأثر خطابها او دورها بالدعوات التي أطلقتها المؤتمرات العالمية للمرأة: مكسيكو، كوبنهاغن ونيروبي.

المرحلة الثالثة: محاولات التغيير.

نؤرخ للمرحلة الثالثة بوقف الحرب وبدء مرحلة السلام، ذلك أن الثمانينات التي شهدت تطورات وتحولات استراتيجية عميقة في المستوى العالمي، لم يستفد منها لبنان الذي كان لا يزال يرزح تحت وطأة حرب أهلية دامية واحتلال اسرائيلي مدمر، هذه التحولات لم تكن في السياسة فقط بل أن مناهج التحليل وأدواته كانت قد تغيرت تحت تأثير انهزام التحليل الكلياني لقضايا التغير الذي أرساه المنهج الماركسي، فقد صعدت إلى الواجهة منظومات فكرية أخرى أعطت حيزاً واسعاً للقضايا الجزئية وقدمت أشكالاً أخرى للإنتظام الاجتماعي. وعادت حركات النساء والشباب والبيئة… لتأخذ مكانها على مساحة الخريطة الاجتماعية.
كان الاعلان عن المؤتمر الرابع للمرأة سنة 1995 الحدث الأبرز في هذه التغيرات، ولقد استطاعت التحضيرات التي رافقت المؤتمر في لبنان أن تعيد قضايا النساء وخاصة قضايا المشاركة والتمكين إلى دائرة الضوء، ونستطيع أن نقول أن الخطاب المعبر عن النساء قد تحول في فترة وجيزة من خطاب قائم على حق المرأة في الاستفادة من التنمية أي حقها في التعليم والعمل والصحة، إلى خطاب قائم على حقها في إنشاء الحق، اي حقها في المشاركة في السياسات وتنفيذها.

مستقبل الحركة النسائية اللبنانية: ملاحظات ختامية
الحديث عن مستقبل الحركة النسائية اللبنانية يحمل معه شجون الماضي، والماضي لا يقدم الكثير من الدعم، فمئة سنة او تزيد لم تسفر عن تغير نوعي في موقع النساء وفي مكانتهن في المجتمع اللبناني.
صحيح ان المرأة اللبنانية قد قطعت اشواطا" كثيرة بين الامس واليوم، لكنها لم تستطع منذ بدايات القرن وحتى اليوم ان ترفع سقف مطالبها لتطال الكينونة نفسها، ولم ترتفع الحركات النسائية الى مستوى الوعي اللازم لإدراك مطالب الكينونة. فالكينونة تفرض الوجود الاجتماعي المستقل، والوجود الاجتماعي المستقل له شروط عينية في المكانة والدور، وشروط ثقافية قائمة في الوعي والضرورة. والنساء اللبنانيات لم يستطعن ان يحققن الكثير من هذين الشرطين، فالمكانة والدور جوهر الدعوة الى التغيير اليوم لا يزالان في طور الامكان وهما يستلزمان الكثير من العمل والجهد للتوصل الى تحقيقها، والوعي والضرورة شرطهما في الزمن الراهن ليس التعليم فقط او التعليم والعمل لوحدهما، وليس التربية العقلية والنفسية والجسدية كما كان يقول قاسم امين بل الخضوع للتجربة في حدودها القصوى التي تكفلها الحرية.
كيف ستواجه الحركة النسائية ذلك؟

لقد افتتح القرن العشرين مرحلة جديدة من التحديات التي تواجه شعوب العالم كله، ولن نستطيع نحن العرب مواجهة التحديات الا بتجديد روادنا الثقافية وتحسين فاعلية حركاتنا الاجتماعية ذاتها وهو ما تحاول الحركة النسائية ان تجيب عليه، فهل تقدر؟

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل