كتبت ريتا صفير في صحيفة "النهار": مأساة مرجعيون تشبه الى حد ما مأساة الشرق الاوسط. فالبلدة الجنوبية التي احتضنت لحقبات مظاهر الحياة النابضة، تبدو اليوم اشبه بمدينة اشباح.
يعود اليوم انطوني شديد، مراسل الـ "نيويورك تايمس" في المنطقة العربية الى مسقطه مرجعيون، في محاولة لاعادة بناء منزل العائلة. واليوم ايضا، يثور الشرق الاوسط على نفسه في سعي الى اعادة بناء انظمته، وربما رسم حدوده.
بين مرجعيون وحروب الشرق الاوسط وتمرداته، حصيلة تجربة يقصها رئيس مكتب بيروت في الصحيفة الاميركية الرائدة في كتاب يستعد لاطلاقه الربيع المقبل، فيما يواصل رحلاته العربية، في فترة تحولات مصيرية ناقلا صورة الشرق المنتفض الى الغرب المترقب.
وشديد الحائز جائزة "بوليتزر" مرتين يوم كان ينقل مجريات حرب العراق كاتبا لـ"الواشنطن بوست"، يقرأ عبر "النهار" التطورات في المنطقة وتطوراتها بين محطتين. محطة تحريره من تجربة خطف قاسية عاشها وزملاء له في ليبيا، ومحاولته دخول الاراضي السورية لمواكبة الانتفاضات هناك. يتحدث شديد عن علاقة جديدة تناقش بين الدولة والحركات الاسلامية. ويتحدث ايضا عن اهتمام كبير بالنموذج التركي وكيفية اجتذاب التيارات الاسلامية. تبدو القاهرة "المختبر" الاساس في هذا الشأن.
والصحافي الذي واكب عواصف الحروب العسكرية في غزة وبغداد وبيروت، كان حاضرا ايضا في مرحلة الانسحابات والحلول السياسية. وفيما يرى ان العالم العربي امام بداية حقبة مختلفة "وثمة خريطة جديدة ترسم"، يعتبر ان لبنان لا يبدو في منأى عنها". من الصعب اتخاذ قرارات حاسمة في بيروت قبل هدوء المنطقة"، يعلق، مرجحا ان يبقى الستاتيكو قائما في الوقت الراهن.
في ما يأتي الحوار:
■ ما هي تداعيات مقتل أسامة بن لادن على العالم العربي؟
– عدت الى أحد كتبي الذي خصصت فيه مقدمة عن بن لادن، بعيد احداث 11 ايلول في محاولة لكتابة قصة عن مقتله. آنذاك، كان بن لادن جزءا من اي حديث. الا ان المثير اليوم ان احدا لم يعد يذكر اسمه. هذا يشير الى أي مدى نعيش حقبة مختلفة. المشهد كله تبدل".
■ هل ترى ان مقتله قد يؤدي الى تشجيع عناصر اخرى من "القاعدة" ام اننا سنشهد مقاربة مختلفة للقوى الاسلامية في ظل الثورات ؟
– اننا أمام علاقة جديدة تناقش بين الدولة والحركات الاسلامية. نرى ذلك في تونس ومصر وسنراه في سوريا ايضا. وما هو الشكل الذي ستتخذه هذه العلاقة؟ الامر يثير تساؤلات. هناك اهتمام كبير بالنموذج التركي وكيفية جلب التيارات الاسلامية. الامر مثير ومهم.
■ هل ترى ان الحراك سيتكمن من ارساء انظمة وفقا للنموذج التركي ام أن الأمر سينتهي الى أنظمة اسلامية متشددة تخشاها الاقليات؟
– آمل ذلك، أعتقد انه ستكون هناك علاقة جديدة بين الاسلام السياسي والدولة. قد يتطلب الامر اعواما ولكننا امام نقطة انطلاق في بناء هذه العلاقة.
■ قارنت في مقالك الاخير عن سوريا بين دمشق والقاهرة وتونس مسلطا الضوء على نموذج رامي مخلوف وأحمد عز وليلى طرابلسي في الفساد. هل تعتبر ان النظام السوري سيلقى المصير نفسه الذي لقيه سلفاه؟
– لا أملك جوابا اليوم. السؤال هو اي مدى يمكن ان تبلغه الثورات ؟.
في بعض الاحيان ارى ان على الحكومة السورية الشروع في تقديم تنازلات كبيرة للحفاظ على السلطة، ولكن في أوقات أخرى، أرى انهم يستخدمون القوة للبقاء في السلطة. المهم في مسألة مخلوف هو ما نراه عبر العالم العربي ككل. فبقدر ما تبدو المطالب وراء الحركات سياسية الا انه لا يمكن اغفال طابعها الاقتصادي.
■ ما زال النظام السوري يراهن على غطاء اسرائيلي ودولي حيال تغييره ؟
– لن أتكهن. شعوري ان الحكومة السورية تتجه نحو القمع اكثر منها الى تقديم التنازلات في تعاملها مع الثورات. هم يشعرون بالغضب حيال ما يجري، ولكن أعتقد ان احتمال التغيير الشامل لن يحصل الآن، ربما مستقبلا.
■ هل تتخوف من انتقال عدم الاستقرار هذا الى جيران سوريا، لبنان وتركيا؟
– لأنقرة نفوذ حيال الحكومة السورية ربما يتعدى أي حكومة أخرى. كصحافيين، تابعنا ما يحصل في سوريا ولكننا لسنا على الارض لنرى مدى توسع هذه الثورات. ما زالت الحكومة تتمتع بدعم في صفوف بعض المجموعات، والاقليات خائفة، والنخبة الاقتصادية ما زالت وراء الحكومة ولكن لا ندري الى اي حد، والاجهزة الامنية والجيش. وضع الحكومة لايبدو كما كانت الحال في مصر او تونس. والسؤال: ما مدى تاثير الثورة على المدى البعيد، على سمعة الحكومة وعلاقتها مع بقية الدول وكذلك مع شعبها.
■ هل تخشى تمدد النزاع الى لبنان عبر اقتتال مذهبي؟
– أي شيء يحصل في سوريا سيكون له أثره على لبنان، انطلاقا من روابط القرب والعلاقات الثنائية. الى أي مدى؟ الاجابة صعبة اليوم.
■ كنت من بين الأوائل الذين كتبوا بعد تفجيرات الاسكندرية عن تبدل الستاتيكو في المنطقة؟
– كل الدلائل على ان العالم العربي بات في أدنى درجاته كانت موجودة. ما حصل في تونس لم يكن مفاجئا، واذا كان من تغيير فلا بد ان يبدأ من هناك. نحن أمام بداية حقبة جديدة في العالم العربي وثمة خريطة جديدة ترسم. انا متفائل حيال ما ستؤول اليه الاوضاع. الامور ليست سهلة ولكنها مثيرة للاهتمام.
■ هل يبقى لبنان وسط هذه الاحداث في الفراغ ولا سيما على مستوى الحكومة؟
– شعوري انه لا يمكن اتخاذ قرارات حاسمة حيال لبنان قبل هدوء بقية المنطقة. قد يبقى في الستاتيكو في الوقت الراهن.
■ قررت تغيير مجال عملك الصحافي بعد تجربة ليبيا؟
– دائما اعتبرت تغطية النزاعات مهمة صعبة جدا. قمت بها لأن جزءا منها تناول الشرق الاوسط، المنطقة التي تعنيني بقوة. هناك قصص انسانية مهمة وكثيرة يحصل على خلفية الحروب وتستحق المتابعة. اذا كنا في بداية حقبة جديدة، فهناك الكثير الذي يمكن القيام به.
■ متى تنوي إصدار كتابك عن مرجعيون؟
– بعد حرب 2006، أخذت اجازة لعام بهدف الاهتمام باعادة بناء منزل العائلة. شكلت إعادة إعمار منزل جدتي مناسبة لفهم الاوضاع في الشرق الاوسط، وأعني الحدود والنزاعات والمجتمع ولا سيما المهاجر منه. اتوقع اصدار الكتاب الربيع المقبل. مأساة مرجعيون تشبه الى حد ما مأساة الشرق الاوسط. رسمت قوى الاستعمار الحدود، عشوائيا، ونشأت حروب، وحصلت أمور كثيرة بعضها لا معنى كبير له.