لن يكون الإعتدال العربيّ بعدَ المخاض الإنتفاضيّ العربيّ كحاله قبل المخاض. فالتحدّي التاريخيّ هو الإنتقال من إعتدال غير مستند إلى شرعيّات دستوريّة ديموقراطيّة إلى إعتدال منبثق عن هذه الشرعيّات، وقادرٌ إنطلاقاً منها على خوض الصراع الإقليميّ المتمحور حول حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، على قاعدة التبنّي الأوضح والأكثر منهجيّة لفكرة السلام الإقليميّ.
التحدّي إذاً من هذه الناحية هو إحلال إعتدال واقف على قدميه مكان إعتدال واقف على رأسه، والإعلاء من شأن الدولة الأمّة في كلّ بلد عربيّ على قاعدة التصالح الواعي مع الخارطة الموروثة عن الفترة الإستعمارية، مع التكريس المتوازي لكلّ من حق تقرير المصير لكل شعب من شعوب المنطقة، والحقوق الثقافية لكل أقليّة من أقليّاتها.
في المقابل، لا يمكن أن يكون التحدّي التاريخيّ على جبهة الممانعة هو إحلال ممانعة على الطراز الديموقراطيّ الليبراليّ بدل ممانعة على الطراز التسلّطي، الوضعيّ أو الغيبيّ. يمكن بمعنى آخر رسم صورة مثالية لإعتدال بديل بعد الزلزال العربيّ، إنّما لا يمكن رسم صورة مثالية لممانعة بديلة، اللهم إن كان المعنيّ بهذه الأخيرة هو الإعتدال المتجدّد، والذي يمنح نفسه أسباب الشرعيّة الدستوريّة والحيوية الديموقراطيّة فلا يعود خائفاً من الشعوب إنّما منبثقاً منها، يحميه وتحميها، فيجيء أقلّ تفريقاً بالمصالح الوطنيّة والقوميّة وأكثر إلتزاماً بقضية السلام الإقليميّ وبالإنتماء إلى المجتمع الديموقراطيّ العالميّ للحداثة الغربية في آن.
إذاً، الثورات العربية تضرب الممانعة في مبدأها، في حين أنّها تأتي على الصورة المحقّقة للإعتدال، أي الصورة الرسميّة له، وغير المطابقة، أو غير الصالحة، للتعبير عن أسس الإعتدال، إعتدال أيّ دولة أمّة، فيصير المشروع الوطنيّ في أي بلد عربيّ هو بناء "دولة" تشبه الدول الأخرى، لها ما لها وعليها ما عليها، وليس بناء "دول استثنائية"، أي دول تستثني نفسها جزئياً أو كلّياً من منطلقات الحداثة السياسية، كحال لبنان مثلاً الذي تريد له الممانعة أن يستثني نفسه من مبدأ إحتكار الدولة الحديثة لمنظومة العنف الشرعيّ، أو كحال غيره من البلدان الذي تريد الممانعة إستثناءه من موجبات العقد الإجتماعيّ بين مكوّناته، ولا ننسى البلدان التي تستثني نفسها من صفة "البلد" وتصرّ على صفة "القطر" أي تنظر إلى نفسها كـ"كيان ناقص" لا بدّ أن يكمّل نقصانه إمّا بضمّ ما هو أصغر منه وإمّا بالإنضمام إلى ما هو أكبر منه.
من هنا، ولمّا كانت الثورات العربيّة تطيح بالإعتدال القسريّ والفاقد لشروطه لصالح الإعتدال المنبثق عن الإرادة الشعبية والشرعية الدستورية، في حين أنّها تزعزع الممانعة القسريّة من دون أن يكون متاحاً حتى نظرياً تصوّر نموذج آخر للممانعة غير الإعتدال الشعبيّ الدستوريّ نفسه، لزم القول إنّ الثورات العربية بمجموعها هي ثورات إنتاج إعتدال جديد وثورات تحرّر من الممانعة. حتى إذا تجاوزنا "قسمة المحاور" والتسميات المرتبطة بهذه القسمة في السنوات الأخيرة صار ممكن القول إنّها في مجملها ثورة الإعتدال على نفسه، وثورة الإعتدال على الممانعة.
هذا لا يعني أنّه بات هناك أمام الشعوب العربيّة خطّ بياني واضح ومضمون يمكن إستلهامه الواحد بعد الأخر، فالإنتقال من إعتدال قسريّ إلى إعتدال دستوريّ، والإستعاضة عن الممانعة بهذا الإعتدال الدستوريّ نفسه، إنّما تعدّ جزءاً من الحركة التاريخيّة الجارية أمام أعيننا، في حين أنّ الجزء الآخر من هذه الحركة التاريخّية يشي على العكس من ذلك بعدم قدرة أشكال الوحدات القائمة في بلداننا ومجتمعاتنا على الإستمرار بالشكل الذي استمرّت عليه سابقاً، دون أن يكون هناك بالضرورة من بدائل جاهزة عن هذه الوحدات، كما كانت الأمور مثلاً واضحة في أعقاب سقوط النير السوفياتي في أوروبا الشرقية، بالنسبة إلى تشيكيا وسلوفاكيا حيث انتهيا إلى طلاق حبّي، ولم يلبثا أن عادا فألتقيا في وحدة الإتحاد الأوروبيّ!
من هذه الناحية، فإنّ المخاض الكيانيّ العربيّ لا بدّ ملازم للمخاض الوطنيّ الديموقراطيّ، وأيّ مكابرة للمنتفضين العرب على الإختلافات الثقافية والدينية والمناطقية واللغوية والقومية التي تعج بها الخارطة العربية لن يخدم قضية من يريد لهذا المخاض أن لا ينزلق إلى حيث إنهيار المجتمعات والعودة إلى أشكال الترابط الأهليّ الأكثر تخلّفاً.
وفي هذا المقام ينبغي الإعتراف أنّ أجندات المنتفضين العرب مصيبة في أعمّها الغالب لجهة إقتباسها من كلاسيكيات أي ثورة ديموقراطيّة ضدّ نظام إستبداديّ أو تسلّطي، لكنّ هذه الأجندات فقيرة تماماً لناحية كل ما يتّصل بكيفية إدارة الإختلافات الثقافية داخل كل مجتمع عربيّ وفي كيفية النظرة إلى البعد الفسيفسائيّ للمنطقة العربيّة بشكل عام. ما زالت الأيديولوجيا اليعقوبية الإنصهاروية الجمهورية تمنع المنتفضين العرب من طرح القضايا الحّساسة على نحو جاد في هذا المقام، وهذا أمر يبعث على تشاؤم أكيد.