يقف وزير العمل بطرس حرب حائراً أمام رفض مؤسسة الضمان الإجتماعي هبة بقيمة مليونين و250 الف دولار قدمها البنك الدولي في إطار "مشروع الحماية الاجتماعية الطارئة الثانية".
اللافت أن رفض الضمان ليس له أي مبررات واضحة، بل جملة من النقاط مبهمة، منها شخصية متعلقة بأداء المدير العام للضمان محمد كركي، وغيرها سياسية.
وتبدأ القصة مع مبادرة قام بها البنك الدولي ضمن "مشروع الحماية الاجتماعية الطارئة الثانية" وتتمثل بتقديم هبة قدرها مليونان و250 الف دولار.
الوزير حرب حرصاً على المصلحة العامة قبل الهبة، لكن المفاجأة كانت في رفض مجلس إدارة الضمان لها، الأمر الذي دفع البنك الدولي الى ابلاغ وزير العمل ان الضمان سيخسر الهبة ما لم تتسلمها الادارة.
وحيال ذلك، توجه حرب مجددا الى مجلس الادارة طالباً الموافقة منعاً لخسارة الهبة، لكن المجلس أصرّ على الرفض، فوضع وزير العمل الهبة بتصرف وزارة العمل لتنفيذ مشروع اصلاحي في الوزارة والمؤسسة الوطنية للاستخدام والضمان.
بعد مدّ وجذر، قرر مجلس ادارة الضمان الإستفادة من الهبة على أساس انها من وزارة العمل، ورفع لائحة أولويات تختلف عما كان قد قدمها الى البنك الدولي، فلم يتردد الوزير بإصدار قرار يقضي بتعديل أولويات المشروع، وتوجه الى وزارة المال طالباً بإعادة هيكلته.
وعندما صدرت الموافقة، بادر البنك الدولي الى البدء بإعادة الهيكلة التي تضمنت درس سبل إعادة التوازن المالي للضمان والصناديق الملحقة به، لكن المفاجأة كانت في عودة مدير الضمان (محمد كركي) عن موافقته على الهبة وإبلاغه مسؤولي البنك الدولي عدم وجود مبرر للاجتماع معهم.
مجلس الإدارة تراجع أيضاً عن موافقته ما اوقع البنك الدولي في حيرة، خصوصاً ان رزمة الاصلاحات تشمل المكننة وتحصيل الفواتير وربط المستشفيات ببعضها البعض ما يجعل خدمة الضمان في مستوى خدمات الصناديق الاوروبية.
الوزير حرب اعتبر في حديث الى موقع "المستقبل" الإلكتروني، أن "القضية محيرة ومن حق مجلس إدارة الضمان أن يرفض الهبة"، مستدركاً "لكن عليه أن يتحمل المسؤولية المترتبة على ذلك".
وإذ لفت الى ان "القضية قديمة وليست جديدة وعمرها أكثر من ثلاثة أو أربعة اعوام"، أشار الى أن "تعاطي مجلس إدارة الضمان مع البنك الدولي كان سلبياً عبر التاريخ"، مذكراً بأن الضمان الإجتماعي "رفض في السابق 700 ألف دولار كمساعدة اولى من البنك الدولي الذي استعاض عنها بإجراء دراسات للضمان".
حرب أوضح ان الآراء متناقضة في موضوع مدى استفادة الضمان الإجتماعي من الدراسات التي اجراها البنك الدولي، مفسراً ان "مجلس الإدارة يقول أن الضمان لم يستفد من الدراسات، فيما تؤكد الإدارة أنها استفادت منها عبر وضع تصور ومشاريع لتطوير الضمان".
كما ذكر بأن المشكلة كانت موجودة لدى استلامه الوزارة، مذكراً بان "الضمان كان يرفض الهبة بحجة انه لا يريد ان يخضع لوصاية البنك الدولي وأنه لا يثق بكيفية إدارته (البنك الدولي) لهذه الهبة".
وشرح ان "مجلس الإدارة هو من يرفض الهبة ويقف ضدها"، مؤكداً ان "هناك فريقاً من مجلس الإدارة يتمثل بصورة خاصة بقسم من الإتحاد العمالي العام وببعض المسؤولين الذين يتخذون موقفاً سلبياً من الهبة".
وإذ أسف حرب لان "رفض الإدارة مطلق"، شدد على ان "الخلفية لرفض الهبة سياسية"، بحجة ان "البنك الدولي أميركي وبالتالي سيستعمر في الضمان".
وأعلن حرب انه قرر تحويل الهبة الى مكان آخر كي لا يخسرها لبنان امام رفض الضمان المطلق، وأكد ان وزارة العمل والمؤسسة الوطنية للإستخدام تحتاجان الى ألف تحديث، شارحاً انه "سيقسم الهبة في ضوء دراسة وحسب الوقت المتبقي له كوزير على مؤسسات وزارة العمل وعلى المؤسسة الوطنية للإستخدام".
وعما يقوله البعض عن ان البنك الدولي قدم الهبة الى الضمان الإجتماعي بهدف وضع اليد على واحدة من اهم مؤسسات الدولة، وصف حرب هذا الكلام بأنه "تافه وسطحي وغير صحيح وأشبه بالممازحة".
ولفت إلى أن "البنك الدولي قال: ما هو المشروع الذي تريدون ان أموله في لبنان وأضع خبرتي بتصرفكم، ولن أفرض عليكم شيئاً"، متسائلاً "هل نرفض تأمين البنك الدولي مكننة الضمان الإجتماعي لمجرد ان الهبة من البنك الدولي؟".
وإذ كرر تأكيده أن "النظام في الضمان الإجتماعي بحاجة الى تعديل ومكننة وتحديث"، استخلص أن هناك سببين لرفض الهبة "الأول سياسي، والثاني مرتبط بمصالح بعض الأشخاص المستفيدين من هذا الوضع"، مفسراً ان "السببين يلتقيان".
كذلك، أوضح حرب أن "الضرر سيكون كبيراً جداً على الضمان الإجتماعي جراء رفضه الهبة"، مؤكداً في السياق ذاته انه "مع تعديل قانون الضمان ومشروع مجلس الإدارة".
وعن احتمال اللجوء الى مبدأ التوازن المالي في الضمان على أساس دفع الدولة مستحقاتها الى جانب رفع نسبة الإشتراكات بشكل طفيف، أكد ان "التوازن المالي أحد الشروط الأساسية التي ينص عليها القانون".
أما عن رفع نسبة اشتراكات الضمان، فأشار الى ان "المشكلة تكمن في ارتفاع تكاليف الطب مقابل إبقاء الإشتراكات على حالها"، مفسراً أن ذلك "له وسائل معالجة من جملتها إعادة النظر بنسب الإشتراكات، وتسريع المعاملات، وإعادة النظر بالكثير من الأمور التي تحل مشكلة العجز الحاصل في الضمان الإجتماعي".
وختم حرب آسفاً لكون لبنان البلد العربي الوحيد الذي لا يملك نظام تقاعد وحماية إجتماعية"، مستنكراً "التعاطي شبه المجرم مع الضمان الإجتماعي".
وبذلك، يكون الضمان الإجتماعي قد فوت عليه فرصة حقيقية للإصلاح، بحجة ما زالت شبه غامضة حتى الآن عنوانها العريض "البنك الدولي = أميركا" ونحن لا نريد هبة من "دولة الإستعمار".
أمام هذا الواقع، لا يبقى سوى الأمل في ان يتمكن الوزير حرب من وضع الهبة في المكان المناسب قبل انتهاء ولايته في حكومة تصريف الأعمال.