#adsense

مشاركتي في صنع التغيير

حجم الخط

ها أنا أعود أخيراً إلى لبنان في مهمّة حلمت بها سنوات. أن أؤدّي دوراً في إعادة التعريف بالطريقة التي تُصنَع بها الأخبار في الشرق الأوسط هو شرف لي وشغف في الوقت نفسه. عام 2009، كدت أترك عملي لتحقيق هذا الحلم لكنني غيّرت رأيي في اللحظة الأخيرة، والسبب الأساسي هو أنني لم أرد أن أفسخ العقد الذي كنت قد وقّعته مع الجهة التي كانت تستخدمني وأترك العمل لديها على خلاف. واليوم، أعرب عن امتناني للمؤسسة اللبنانية للإرسال (إل بي سي) لأنها تتيح لي فرصة أكبر لأطلق عملي الجديد في مجال الاستشارات وأقطع الخطوة الأولى نحو تحقيق حلمي وإحداث فارق. وقعت أخيراً مصادفة على رسالة كتبتها إلى صديق في 11 آب 2009 بعدما أبدى قلقه الشديد من انتقالي الموقّت إلى لبنان للاضطلاع بمهمّة مماثلة في ذلك الوقت. وقد قرّرت أن أتشاطر مضمون الرسالة معكم لأنها تُقدِّم خير تفسير عن حالي الذهنية. أنشر الرسالة مع تغيير اسم صديقي إلى "لبنان" واسم ابنته إلى "بيروت" لحماية هويّته وتسليط الضوء على مدى أهمّية هذا البلد الصغير بالنسبة إلينا نحن الاثنين. وقد حذفت بعض المقاطع نظراً إلى طابعها الشخصي أو السرّي.

عزيزي "لبنان"،
يجب أن تعرف أنني لطالما أردت أن أحدث فارقاً في حياة الناس، وفي عالمنا، وفي مهنتنا… ستفهمني أكثر إذا فكّرتَ في الأشياء التي أفعلها، لا لسبب معيّن إنما لمجرد أنها تحدث فارقاً بالنسبة إلى شخص ما، أو تساهم في تمكين مجموعة ما، أو تنقذ حياة إنسان، أو تسلّط الضوء على محنة أساسية لا يكترث لها كثر. ليس ضرورياً دائماً أن تكون الأشياء منطقيّة لأقوم بها. ففي معظم الأوقات، تصبح الأشياء منطقية للآخرين بعد أن أركّز عليها أو ربما لأنّني أركّز عليها.

أعمل بجدّ كبير منذ 19 عاماً، وأنا مسرورة جداً بما أنجزته حتى الآن، لكنّني أعتبر أنني لست في الموقع الذي يجب أن أكون فيه. لست راضية ولا مكتفية، ويراودني شعور دائم بأنني أفتقر إلى شيء ما.
بدأت أنتبه في الآونة الأخيرة الى المتعة التي أستمدّها من التفاعل مع الآخرين. افتقر إلى أن أكون قريبة من الجمهور وأسمع تقويمه الفوري. ثمة شيء ما في داخلي يحتاج إلى التعبير عن نفسه.

أشعر بأن الفرصة متاحة أمامنا لمزاولة الصحافة الحقيقية في بلد ومنطقة يحتاجان إليها وهما جاهزان لها. قد يتحقّق الحلم، فنعيد تعريف الطريقة التي تتمّ بها الأمور، ونصبح مصدراً للمعلومات عوض أن نكتفي بأن نكون مادّة لها ومستهلكين للإعلام الغربي. ونقود الآخرين عوض أن نتبعهم. أفكّر في كل الأشخاص الذين يمكن أن أؤثّر في حياتهم من خلال أخلاقيّاتي في العمل، وفي كل العقول العظيمة التي تنتظر واحداً منها يقودها نحو صحافة القرن الحادي والعشرين. أفكّر في كل الأشياء التي لن تتحقّق إذا لم أنخرط بنفسي وأعمل على حصولها. يصعب أن أقول "لا" لهذا كلّه. ناهيك بالإرث والدروس التي ستستمدّها الأجيال المقبلة من انخراطي في هذا العمل. هل تريد أن تكبر "بيروت" ونور وآية وهنّ يعتقدن أن لا شيء سيتغيّر على الإطلاق وأنه من الأفضل لنا أن نقبل الأمور كما هي فلا ندافع أبداً عمّا نؤمن به؟ هل تريد أن يخاف أولادنا دائماً من المتنمّرين ويختبئوا منهم عوض أن يواجهوهم ويحاولوا تغيير سلوكهم وحملهم على احترامنا واحترام ما نؤمن به؟

أعرف المخاطر… أعرف البلاد… أنت محقّ في كل كلمة قلتها لي عن هذا الموضوع. أريد فقط أن تفهم الشعلة التي استيقظت في داخلي في هذا الظرف في حياتي، ومعناها بالنسبة إليّ.
الخيار الذي يبدو الأسهل في هذه المرحلة قد يكون الأغلى ثمناً والأكثر إيذاء لشخصيّتي في المدى الطويل!

صديقي العزيز، أريدك أن تكون إلى جانبي لتسدي إليّ النصح وتدعمني وتحمي ظهري؛ ولكن لا تنسى أبداً هويّتي وشخصيّتي ورغبتي الشديدة في أن أعطي في المقابل لبلدنا الحبيب".
ألا يزال هذا الكلام ينطبق على واقعنا اليوم كما في عام 2009، بل أكثر؟ من المؤسف جداً أنني خسرت صديقي، لكنني آمل في أن أكون قد حصلت على فرصة للمشاركة في هذا التغيير التاريخي الذي يجتاح الشرق الأوسط.

المصدر:
النهار

خبر عاجل