#dfp #adsense

حتى باطونهم “مُسلّح” …!

حجم الخط

وكأن لبنان لا يكفيه ما أصابه من خراب وتدمير وتشويه للطبيعة منذ أكثر من ثلاثين عاماً حتى اليوم. بعد أن أكلت الكسارات جباله، وغزا الباطون مدنه وقراه، وعاث فيه الأوصياء فساداً… حتى صار أشبه بغابة من الإسمنت متلاصقة بعضها ببعض من دون تنظيم مدني او حسيب أو رقيب. وها هي اليوم، تُطالعنا مشكلة البناء على الأملاك العامة في بيروت أو الجنوب أو أي بقعة من الـ10452 كلم2 …

لم يعُد خافياً على احد أن بالسلاح صار كلُّ شيءٍ مستباحا. فأي مواطن الى أي طائفةٍ انتمى أو من اي منطقة كان، لا يمكنه القيام بمخالفة ما صغيرة أو كبيرة بحجم بناء من ثلاث أو أربع طبقات دون أن يكون مدعوماً. وهذا ما نسمعهُ من الأهالي عبر وسائل الإعلام، اذ إنهم يُجيبون حين يُسألون "كيف سُمح لكم بالبناء هنا؟"، بالقول "نحنُ نُحمّل الرئيس بري والسيد نصرالله مسؤولية هذه المخالفات، لقد أخذنا الضوء الأخضر منهم…".

وتجدر الإشارة الى ان المخالفين ليسوا فقط من الطائفة الشيعية الكريمة، ولكن الغطاء السياسي المسلّح الذي أعطى الشيعة الحق بالبناء على الأملاك العامة والمشاعات، دفع بآخرين من قوى "8 آذار" وببعض الفلسطينيين الى استغلال هذه الفوضى لبناء مساكن لهم ولعائلاتهم.

ولكن الأسئلة التي تطرح نفسها: أين كانت الدولة حين بدأت فوضى البناء التي طالت الاملاك العامة والبيئة والطبيعة البرية والبحرية وحتى المحميات الطبيعية؟ ما الذي حال دون قيام القوى الامنية بواجباتها في بداية هذا الفلتان؟ أين هي مديرية التنظيم المدني التي تُعنى بالتصاميم التوجيهية لكل المناطق اللبنانية؟

فمديرية التنظيم المدني تقع على عاتقها مسؤولية المحافظة على جمالية الابنية والمرافق، ولا يقف عملها عند هذا الحدّ بل هي تُحدد وجهة استعمال العقارات بشكل يتلاءم مع الوضع الديمغرافي والاقتصادي والاجتماعي لكل مناطق لبنان عن طريق مكاتب تنتشر في المحافظات والاقضية وتساعد البلديات عن طريق الاشراف على مشاريعها والتعاون معها لإعداد الدراسات اللازمة وهذه المهام تحتاج الى جهد ومتابعة حثيثة من قبل مديرية التنظيم المدني.

اضافة الى انه من الأهداف الاساسية للمديرية الاشراف على اعمال مكاتب ودوائر التنظيم المدني في المناطق والاقضية والمحافظات، فالمصالح مركزية والدوائر هي ضمن الاقضية والمحافظات وتتولى شؤون اعطاء رخص البناء والافراز وكل المعاملات اليومية المتعلقة بالمواطنين من رخص بناء والتي تتعاطى فيها مباشرة الدوائر. فكيف يا تُرى أُعطيت تراخيص بناء لبعض المخالفين؟ وفي حال لم يكن هناك من تراخيص كيف سُمح للمواطنين بالبناء وصرف الأموال حتى أن بعضهم صار لديه بناية كاملة من خمسة طوابق أو أكثر؟؟؟

ان المديرية العامة للتنظيم المدني هي ادارة هيكليتها مصدقة بمراسيم، وهناك جهاز مكمّل لعملها هو المجلس الاعلى للتنظيم المدني ويرأس هذا المجلس مدير عام التنظيم المدني والاعضاء هم: نقيبا المهندسين في بيروت والشمال، مديرو عامو وزارات الداخلية، البيئة، الاشغال العامة، العدل والوزارات التي لها علاقة مباشرة بالتنظيم المدني، بالاضافة الى اثنين من كبار المهندسين المعماريين في القطاع الخاص. ومهام المجلس الاعلى هي استصدار القرارات حيث يلزم ان يكون هناك مرسوم، من تخطيطات واشغال وتعديل نظام وهذا كله يجب ان يمر عبر المجلس الاعلى، فالمجلس الاعلى للتنظيم هو نوع من هيئة مكمّلة لاعمال المديرية العامة للتنظيم المدني وتتخذ القرارات قبل استصدار المراسيم اللازمة من مجلس الوزراء، وهي لها سلطة إقرار قبل احالتها الى مجلس الوزراء.

ان عمل التنظيم المدني هو عمل تشريعي لتطوير قانون البناء وليس عملا لاستصدار مراسيم تسوية اوضاع بعد فترة الاوضاع الشاذة التي مرت بها البلاد أكان من العدوان الاسرائيلي او الحروب الداخلية او الانهيارات التي سمحت للكثير من المخالفات ومنعت الدولة اللبنانية من مراقبة اعمال البناء وضبطها بشكل سليم، وهذا يستوجب في حال موافقة السلطة السياسية على هذا الموضوع الاستحصال على قانون تسوية اوضاع، ولغاية اليوم لا شيء في هذا الشأن، اقله في علم التنظيم المدني، وهذه المخالفات تحتاج الى قوانين وفي ظل القانون الحالي فمصير المخالفة الهدم، ولكن القانون 324 يسمح باستصدار مراسيم خاصة ولكن الغرامات تكون عالية جداً على المواطن.

ان ما يشهده مطار رفيق الحريري الدولي وبعض قرى الجنوب من مخالفات خرجت عن السيطرة كلياً. فلم يعد كافياً ارسال القوى الأمنية أو سريات من الفهود أو من الجيش اللبناني لنزع المخالفات، فبمجرد وصول هذه القوى الى مكان المخالفة حتى تتحول المنطقة ساحة مواجهة بين فريقين: الأهالي من جهة والقوى الأمنية من جهة اخرى، لأن من دفع جنى عمره في بناء منزل له ولأولاده يُفضلُ الموت تحت ركام هذا البناء على رؤيته يتهدم أمام عينيه.

فإذا كانت هذه الهجمة الإسمنتية محمية من قبل "السلاح الإلهي" الذي قام باستعراضات قوة في 7 أيار 2008 في بيروت والجبل ولكنه عاد ادراجه خائباً ومنكسراً أمام غضب اللبنانيين، ها هم أصحاب السلاح والبذات السوداء يقومون اليوم بتغطية "هجوم معماري بالباطون المسلّح"…

نعم، فحتى "باطونهم مسلّح" ينهش في الاملاك العامة ويقضم مشاعات الدولة… إنها فعلاً جريمة بحق الطبيعة وحق الانسان، صخور واشجار اقتُلعت من الأرض ليحلّ مكانها الحديد والاسمنت. انها مؤامرة سياسية وبيئية واجتماعية واقتصادية بكلّ ما للكلمة من معنى. بعد ان ارتفعت اجور عمال البناء واليد العاملة بشكل غير مسبوق اضافة الى ارتفاع جنوني لمواد البناء من حديد وبحص ورمل واسمنت واجور النقل والمجابل الاسمنتية، من يحمي المواطن العادي من هذا الغلاء؟ فبعض من تأتيهم المساعدات المالية "الإلهية الايرانية" من أجل "جهاد البناء" ألا يُدركون ان السحر سينقلبُ يوماً ما على الساحر، فغداً ستبدأ المشاكل الاجتماعية لأن البيوت المتلاصقة مع بعضها ستكون السبب في ذلك. من سيتحمّل ان تكون شرفة منزله ملاصقة لشرفة جاره الطارئ عليه؟ هذا اضافةً الى المشاكل الحياتية، فالبيوت التي بُنيت بشكل عشوائي ومن دون تخطيط ستحوّل القرى الى ما يُشبه المساكن الشعبية. فما بُني بالقوة، سيسقط يوماً ما بالقوة…

لا أعرف لماذا تُذكرني قضية مخالفات البناء على الأملاك العامة بمشهد من مسرحية "جبال الصوّان" للأخوين الرحباني، حين قال "مدلّج" (أنطوان كرباج) لـ "غربة" (فيروز): "الأرض للكلّ"، فردت عليه "غربة": "الأرض للكلّ بس بالنظام!"… فكم نحتاج لهذا النظام في بلدنا، حيث لا تُستباحُ فيه الأملاك والأعراض والمقامات، حيثُ يعيش الجميع حسب النظام والقوانين، حيثُ لا يبقى أحدٌ أو فئةٌ مسلّحة سوى "الباطون المسلّح" الذي يحترم أصول البناء وجمال المنظر والتنظيم المدني والطابع الهندسي اللبناني… والا سيسقط الهيكل "بباطونه المسلّح" على رؤوس من يحميه وهناك البكاء وصرير الأسنان …!

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل