أحداث أمبابة ليست مخيفة، وليست أوّل صراع يلبس وجه الفتنة الطائفيّة ولن تكون الأخيرة في مصر، ومسلمو مصر وقبطها يدركون جيداً أنّ هذه الأحداث قد تقع بين المسلمين وبعضهم بعضاً، وبين الأقباط بعضهم بعضاً، وقد يتسبب «هرب فتاة مع شاب من نفس الدين للزواج» في صعيد مصر ستقع أعمال عنف ويسقط ضحايا أكثر مما سقط في عنف أمبابة الذي فاجئ الجميع بما فيهم المصريين أنفسهم!!
الخوف الحقيقي يتموضع في مصر الآن ويملأ مساحة الفراغ الأمني والسياسي الذي تعيشه بعد «ثورة يناير» وقد تظهّر أمس الاثنين في أوضح صورة وبكلام واضح ومباشر، الخوف والخطر الحقيقي يتمثّل في الكلام الذي صدر عن «الداعية الإسلامي» الدكتور صفوت حجازي في أكبر مؤتمر منذ ثورة «25 يناير» حضره 50 ألفاً من السلفيين والإخوان المسلمين، قال فيه: «أعداء الإسلام هم أعداء مصر، ويرتعدون فزعاً لأنهم يعرفون أن نجاح الثورة المصرية هو نجاح وعودة الأمة العربية الواحدة، ويعلمون أن الولايات المتحدة العربية قادمة، والولايات المتحدة الإسلامية قادمة، وسيكون لنا قريباً جداً خليفة وإمام يفعل كما كان يفعل هارون الرشيد».
قد تراود حجازي أوهام أو أحلام بأن يكون هو نفسه هارون الرشيد وهذا شأنه، ولكن حديث هؤلاء الذين يخلعون على أنفسهم صفة «دعاة» نكبة عن المسلمين قبل سواهم، حظيت مصر برجل عاقل مؤمن متنوّر متبصّر عالم فذّ هو الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله واستحق لقب داعية لأنه جال بلاد العالم الإسلامي وواجه الفكر الملحد فيها في عزّ المدّ الشيوعي، أمّا هؤلاء فيدعون من؟!
هذا التخبط يكشف بعض ما يخططه المتشدّدون المتطرفون الذين يطلق عليهم خطأ اسم سلفيين وهم يملكون القدرة على قيادة العالم العربي والإسلامي إلى الخراب، خصوصاً عندما يخدعون المسلمين بقولهم: «ولايات متحدة إسلاميّة»، لأنها ستكون ولايات متناحرة متذابحة يريد كلّ منها أن يفرض «إسلامه» على الآخر، سبق وعاش المسلمون عبر تاريخهم محناً دينيّة فكرية عقائدية كبيرة، من المعتزلة إلى الحنابلة، أشهرها على الإطلاق «محنة خلق القرآن» وما فعله المأمون فيها بالإمام أحمد ابن حنبل نفسه وكل علماء وقضاة وفقهاء ليجبره على القول بأنّ القرآن مخلوق!!
هذا الكلام يشكّل كبرى المآزق التي تواجهها مصر، إضافة إلى أمراض التنافق والتكاذب الديني والطائفي الذي نعيشه ونكذب فيه على بعضنا بعضاً كطوائف، حان الوقت لإخراس ألسنة الجهلة والمتطرفين والرّعاع والدعاة وأن يتناول الكلام العلماء الفضلاء ليزيحوا عن وجه الإسلام كلّ هذه الحجب السوداء الكثيفة كثافة «لحية ابن لادن البيضاء المصبوغة»، ويزيحوا عن كاهل المسلمين أوّلاً والمسيحيين ثانياً قدر العيش في منطقة واحدة ليكونوا نموذجاً ورسالة في حوار الحضارات وتآلفها وما أنتجه هذا الأمر من عصور ذهبية للأمم، فلم يعش العرب عصرهم الذهبي إلا بالحركة الثقافية النشطة التي بدأها علماء المسيحية ونصارى العرب في بلاد المسلمين فخرجت العلوم من بلادهم إلى أوروبا ولم يعيشوا فورة ذهبية ثانية حفظت العربية في زمن التتريك إلا على يدِ مسيحيي لبنان في عصر النهضة منذ منتصف القرن الثامن عشر الماضي، ولا ينكر هذا الدور سوى جاحد وكاذب.
ارتاحت مصر من صفوت الشريف فابتلاها الله بصفوت حجازي، والمحزن أن الرجل يخدع الناس بحديثه عن «أن نجاح الثورة المصرية هو نجاح وعودة الأمة العربية الواحدة»، أمّا حديثه عن الخليفة والإمام فعلينا أن ننتظر حتى يذبحوا بعضهم بعضاً ويكفّر بعضهم بعضاً، والبقاء بينهم للأشدّ قتلاً وفتكاً في المسلمين، وهم سيبدأون بهم قبل سواهم!!
أخطر ما سمعته مصر منذ نبأ إعلان تنحّي رئيسها السابق حسني مبارك هو كلام الداعية السلفي الشيخ محمد حسان مخاطبته لأقباط مصر بقوله: «هذا البلد دينه الإسلام، والأقباط ما شعروا بالأمان إلا في ظل الإسلام، وأقول لهم: أنتم لستم في حاجة للاستقواء بأميركا والخارج؛ لأن ديننا يلزمنا بحمايتكم»!!
هذا خطاب لا يُقال لمواطن شريك أساسي بل وسابق في المواطنيّة والانتماء لمصر، ما هكذا أوصى رسول الله مسلمي أمته «خيراً بأقباط مصر لأنّ له فيهم رحماً وصهراً»، ما يقال من كلام على ألسنة هؤلاء مخالف لوصية النبي صلوات الله عليه، ومخالف للإسلام، بل هو وجه دميم لفكر أسامة بن لادن الحاقد وإرهاب وإجرام تنظيم القاعدة المتحجر المختفي مؤقتاً خلف قناع السلفيّة والإخوان المسلمين!!
نعم مصر في خطر، وتوشك أن تكون ألعوبة في أيدي المتطرفين، ولن يقابل التطرّف إلا بالتطرّف، والمجلس العسكري لا يحلّ ولا يربط،ورئيس حكومتها عصام شرف يُمالئ المصريين فينزل لأكل الفول والطعميّة والتقاط الصور في المطاعم الشعبيّة، أو يحمل «حذاء» امرأة خلعته قبل أن تدخل مكتبه ويلتقط معه صورة تذكاريّة، وكلّ همّه على ما يبدو أن يحظى برضى المتظاهرين من جديد علّه يكون الرئيس المقبل، وفي انتظار ذلك لا بأس إن خرجت «طيور الظلام» من جديد لتنعق كالغربان في سماء مصر وتعيث خراباً وفساداً في أرضها!!