كتب عمر البردان: الدوران في الحلقة المفرغة على صعيد عملية تأليف الحكومة الذي بدأ يستنزف وبقوة الرئيس المكلّف نجيب ميقاتي ويأكل من رصيده، يثير الكثير من الهواجس من مغبة أن تكون البلاد دخلت في أزمة حكم مفتوحة، في ظل انسداد مخارج التسوية في ما يتعلق بالولادة الحكومية العالقة في عنق الزجاجة، بفعل الشروط والشروط المضادة التي تكبّل الرئيس المكلّف وتجعله عاجزاً عن القيام بمهمته وفق الصلاحيات التي يمنحها إياه الدستور.
ولا يبدو من خلال المعطيات التي تجمّعت لدى أوساط متابعة لحركة الرئيس ميقاتي، أن تصاعد الدخان الأبيض بات قريباً بعدما تمّ رفض كل الصيغ التوفيقية التي جرى طرحها لتقريب موعد الولادة والخروج من هذا المخاض العسير الذي بدأ يرخي بظلاله السلبية على الأوضاع الاقتصادية والحياتية التي شهدت في الآونة الأخيرة تراجعاً أثار مخاوف حقيقية عبّرت عنها وزيرة المال ريّا الحسن وشاطرها في هذا الرأي عدد من الخبراء الذين طالبوا بضرورة المسارعة إلى حسم الملف الحكومي لتفادي الأضرار التي قد يواجهها الاقتصاد اللبناني إذا استمرت حال الفراغ الحكومي طويلاً.
وفيما يكثّف الرئيس ميقاتي من جهوده عبر الاتصالات والمشاورات التي يجريها مع <الخليلين> وبعض الوسطاء الآخرين لتجاوز المأزق، دون حصول أي تقدم جوهري قد يفضي إلى إحداث كوّة في الجدار المسدود، فإن أجواء تكتل <التغيير والإصلاح> لا توحي بكثير تفاؤل بإمكانية وصول الأمور إلى خواتيمها السعيدة على صعيد مشاورات التأليف في وقت قريب، حيث يشير عضو التكتل النائب زياد أسود إلى أن "الأزمة أصبحت مفتوحة والمسؤولية يتحملها الرئيس المكلّف ورئيس الجمهورية معاً، باعتبار أن الكرة منذ الأساس موجودة في ملعبهما، وعليهما المبادرة إلى تعبيد الطريق أمام الولادة الحكومية، وفي ظنّي أن عقدة وزارة الداخلية هي غطاء لحال تريّث وانتظار يعيشها الرئيس المكلّف، وللأسف فإنه قد يناسبهم التحدث عن عُقد داخلية، فيما الحقيقة أن البعض يريد التريّث في الموضوع الحكومي بانتظار حصول تطورات على المستوى الإقليمي، في ضوء عودة التهديدات الاسرائيلية، حيث تصاعدت مؤشرات العدوان على لبنان، فهل من مصلحة لبنان والحال هذه أن يبقى دون حكومة؟ وهل بإمكان الرئيس المكلف أن يتخلص من هذه العقد للخروج بحكومة تنسجم مع أحجام الكتل السياسية في البلد؟ وهل بإمكان رئيس الجمهورية والرئيس المكلّف والمسؤولين كافة تحمّل أي عواقب أمنية في ظل الوضع الراهن، وإلى متى سيبقى هذا الوضع قائماً دون معالجة؟".
هذه التساؤلات المشروعة التي تطرح نفسها بقوة، في ضوء استمرار المأزق، يقول النائب أسود "يجب أن يصار إلى الإجابة عليها من خلال المسارعة إلى تأليف الحكومة العتيدة من جانب الرئيس ميقاتي، وإنما ضمن ثوابت ومبادئ أساسية سياسية ودستورية تأخذ بعين الاعتبار مطالب الكتل النيابية وفي مقدمها التغيير والاصلاح، سيّما وأن الاسراع من طرف واحد في عملية التشكيل ليس كافياً، فالرئيس المكلّف هو الذي يجب أن يبادر وليس نحن، لأننا الطرف الذي يتلقف مبادرة ميقاتي وليس الذي يصنعها، ولا زلنا ننتظر العرض الذي سيقدم إلينا ليُبنى على الشيء مقتضاه".
فماذا لو فاجأ الرئيس المكلّف الأكثرية النيابية بتشكيلة وزارية بالتوافق مع الرئيس سليمان؟، اعتبر النائب أسود "ان الرئيس ميقاتي لا يستطيع أن يشكل حكومة بالاتفاق مع رئيس الجمهورية لأننا نعيش في ظل نظام ديمقراطي برلماني، حيث أن الحكومات تؤلف من ائتلاف الأحزاب والكتل النيابية، وإضافة إلى ذلك فإن الرئيس سليمان يدرك جيداً حدود ممارسته الدستورية وضوابط الحكم التي تجنبه أي خطوة لا تصبّ في إطارها الصحيح، ولا أعتقد أن لديه مصلحة في أن يوقّع على مخالفة ليست في مصلحة اللبنانيين".
من هنا وانطلاقاً مما تقدم يبدو الرئيس المكلف في وضع لا يحسد عليه كثيراً، وإذا كان حريصاً على الالتزام بصلاحياته الدستورية كرئيس مكلّف، فإنه في الوقت نفسه لا يريد أن يغامر في اتجاه القرار بتشكيل حكومة أمر واقع قد ترضي ضميره، لكنها بالتأكيد ستثير غضب قوى 8 آذار وفي مقدمها النائب ميشال عون الذي يحظى بدعم حلفائه في الغالبية النيابية الجديدة وفي طليعتهم <حزب الله>، وسيكون مصيرها التحوّل إلى حكومة تصريف أعمال لأن وزراء هذا الفريق سيعلنون انسحابهم منها، وهذا ما يسعى الرئيس ميقاتي الى تجنبه، عبر تمديد مهلة مشاوراته التي يجريها مع الأطراف المعنية بعملية التأليف، آخذاً بنصيحة الرئيس سليمان ورئيس مجلس النواب نبيه بري، على أمل أن تتوّج هذه المشاورات بحصول توافق حول التشكيلة المرتقبة، وبما يمكّن من قيام حكومة قوية تشكل فريق عمل موحداً قادراً على مواجهة التحديات الكثيرة التي تنتظر لبنان على وقع التطورات السياسية والأمنية التي تفرض نفسها على المشهد العربي، والتي لن يكون لبنان بمنأى عنها.