
في قرية لبنانية نائية، اشترى أبو نمر جهاز التلفاز الأول بالألوان، فصارت كلّ القرية ضيفة أبي نمر تجتمع، تشاهد وتشارك.
يُدخل (بضمّ الياء) حزب القوّات اللبنانية جديدا فريدا على الحياة السياسية والحزبية في لبنان، قد يأخذ إذا ما نجح، باللبنانيين، وربّما بالعرب، إلى عالم حزبيّ مختلف يجعل القاعدة تمتلك مفاتيح المحاسبة والمراقبة الجدّية والتطويريّة, فتجتمع، تشاهد وتشارك.
يناقش هذا الحزب، مسوّدة نظامه الداخلي في المقرّ العام في معراب، والجمعة جولة ثالثة تليها رابعة وخامسة وسادسة لحين إقرار النظام.
إنّه مشهد ديمقراطيّ ربّما عاديّ في الغرب، إنّما في لبنان، فهو مشهد غير مألوف، لم نعتده في الحياة السياسيّة الحزبيّة؛ وفي الساحة الحزبيّة المسيحيّة هو سابقة قد تكون فريدة، وكذلك الأمر في الساحتين الوطنية والعربية.
قليلة هي الأحزاب اللبنانية التي لديها أنظمة داخلية، وهي ورغم تواجدها تفتقد حتى للحداثة والتطوير، فتدفن في الأدراج من دون تطبيق أو تخلق عند تطبيقها مشاكل تؤدّي في النهاية إلى انشقاق أو انقسام. هذا ما حصل مع الحزب السوريّ القوميّ الاجتماعيّ وكذلك الحزب الشيوعيّ الذي كان السبّاق من بين الأحزاب اللبنانية في عقد مؤتمر عام بعد الحرب، إلّا أنّ الانتقال من النظريّات إلى التطبيق، أخرج إلى العلن خلافات داخليّة انعكست تباعُدا وانشقاقا، وهو ما نراه حاليّا في الحزب الشيوعيّ.
فكرة النظام الداخلي لحزب القوّات اللبنانيّة ليست وليدة اليوم… فحتّى عندما كانت القوّات تنظيما مسلّحا تعمل وفق قوانين التنظيمات المسلّحة، بدأ يراود قائدها ورفاقه حلم الحزب المنظّم وفقا لهيكليّة جديدة ترتكز على نظام داخليّ، كما في أعرق الدول ديمقراطيّة، فالزمن بالنسبة للـ"حكيم" أصبح للسلم، وتسليم السلاح ولم يعد للتنظيمات المسلّحة مكان.
في صيف العام 1992 تمّ التداول بفكرة وضع نظام داخلي للحزب، فاتفق الدكتور سمير جعجع مع مستشاريه، على تشكيل لجنة صياغة ضمّت قانونيّين وخبراء، وباشرت عملها في مطلع العام 1994، وكان المخطّط عقد خلوة بين آب وأيلول من العام نفسه لمناقشة النظام، تشبه الخلوة التي يشهدها الحزب حاليّا في معراب. و لكن، "سبق السيف العزل"، وحُلّ حزب القوّات اللبنانيّة، وبات على موعد وقائده مع "نظام" من نوع آخر.
الحزب في السجن وخارجه
في العام 2005 ومع خروج الدكتور جعجع من السجن، استعادت القوّات حلمها السابق بتنظيم حزبها، وبالتزامن مع حرب تمّوز، والاعتصام في وسط بيروت والاغتيالات، والمحكمة الدولية والأزمة السياسيّة وأحداث 7 أيار، شكّلت العام 2007 لجنة الصياغة الحاليّة من بزمّار حتى توصلت إلى مسوّدة للنظام يعمل اليوم على مناقشتها.
303 بنود هي أساس النظام الداخليّ الذي تصفه أوساط مواكبة، بالحديث والمتطوّر والفريد من نوعه في المنطقة.
ولعلّ أبرز ما يميّز النظام الداخلي للقوّات اللبنانية، منح سلطة القرار للقاعدة الحزبيّة التي اكتسبت بفعل هذا النظام، حقّ انتخاب قيادة الحزب المؤلفة من الرئيس ونائبه والهيئة التنفيذيّة، وهي خطوة لم يشهدها من قبل أيّ حزب لبنانيّ، حيث جرت العادة أن ينتخب الرئيس من قِبل هيئات معيّنة يكون هو عيّن المندوبين أو الوسطيّين فيها.
نظام القوّات حدّد آليات التعاطي بين هيئات الحزب كافّة، وبات كلّ مسؤول أو عنصر يعرف أين تبدأ صلاحيّاته وأين تنتهي، وخلق النظام ما يعرف بـ"مجلس الشرف" الذي يمكن للقوّاتي اللجوء إليه لرفع شكواه على أيّ قرار اتّخذ بحقه، ولهذا المجلس، كامل الصلاحيّات في نقض قرار القيادة التي لا يخضع لسلطتها، لا سيّما أنّه لا يعيّن من قِبلها إنّما هو منتخَب من قِبل المؤتمر العام.
النظام الجديد لحزب القوّات اللبنانية، يتيح للمسؤولين فيه مناقشة قرارات الحزب من أكبرها إلى أصغرها في المؤتمر العام الذي يعقد مرّة في السنة، أو استثنائيّا إذا اقتضت الحاجة، لطرح كلّ الأمور، بما فيها سياسة الحزب، وكذلك… للمحاسبة.
بنظامها الجديد، الموضوع على مشرحة المراقبين، تُدخل القوّات اللبنانيّة إلى عالم الأحزاب اللبنانيّة مفهوما جديدا للديمقراطية الحزبيّة، قد يترك انعكاسا كبيرا على العمل السياسيّ ككلّ، حيث تفرض عدوى الديمقراطيّة نفسها على باقي الأحزاب اللبنانية، حتى لا تكون خارج العصر.