#dfp #adsense

“القوات” وتحديات المرحلة الجديدة

حجم الخط

كتب شارل جبور: دخلت "القوات اللبنانية"، مع التئام مؤتمرها العام الهادف الى إقرار النظام الداخلي، مرحلة جديدة عنوانها التنظيم من أجل التفعيل والتطوير والتحديث، وهي تنطلق في مقاربتها هذه من مسلمة أساسية وبديهية وهي أن لا حياة سياسية سليمة، في أي مجتمع أو بلد، من دون أحزاب ديمقراطية فعلية. وما يسجل للقوات في هذا السياق أنها وعدت محازبيها وانصارها بالتنظيم ووفت، كما تفردها بين سائر الأحزاب اللبنانية بإطلاق ورشة حزبية داخلية في الوقت الذي يبدو فيه الحراك الحزبي، بالنسبة إلى هذه الأحزاب، منسيا ومغيبا ومهمشا.

ولعل هذه الخطوة التي سيصار إلى استكمالها في الأسابيع المقبلة بتحويل مسودة النظام إلى دستور للحزب وبدء العمل بموجب هذا الدستور، ستولد دينامية جديدة داخل "القوات" انطلاقا من اعتبارات عدة:

أولا: إن مجرد التحول إلى حزب يعني الانتقال إلى قواعد عمل حزبية واضحة ومحددة لم يسبق للقواتيين أن اعتمدوها أو اعتنقوها نتيجة الظروف المعلومة منذ انتهاء الحرب اللبنانية إلى اليوم.

ثانيا: المنافسة المشروعة التي تتيحها العملية الانتخابية تُشعر أي محازب بقدرته على تبوؤ أي مسؤولية تبعا لكفاءته وجدارته وحركته والتزامه وقدرته على تظهير الموقف السياسي لحزيه.

ثالثا: فتح باب الانتساب يشكل الدافع أمام النخب السياسية الجديدة للانخراط في "القوات".

ولكن هذه الخطوة، أي إقرار النظام الداخلي، على أهميتها، تتطلب قبل أي شيء النجاح بنقلها من المستوى النظري والورقي إلى المستوى العملي والتنفيذي، أي بتحويل الآليات الواردة في النظام إلى ممارسة فعلية على أرض الواقع، وهذا بحد ذاته من التحديات التي ستواجهها "القوات" حيال قدرتها على اجتياز هذا الاختبار بالانتقال من مرحلة إلى أخرى من دون تفسخات، فلا "الكتائب"، مع جورج سعادة، تمكنت من الانتقال من حزب المؤسس إلى حزب المؤسسة، ولا "التيار الوطني الحر"، مع ميشال عون، نجح بالتحول إلى حزب سياسي، خصوصا أن الديمقراطية ممارسة والعمل الحزبي عمل تراكمي.

غير أن إقرار النظام الداخلي بفتح اللعبة الديمقراطية وتوسيع قاعدة المشاركة يفترض أن يترافق ويتلازم مع إقرار الوثيقة السياسية لحزب "القوات"، باعتبارها المكون المكمل والملازم للإطار التنظيمي، إذ أن البعدين التنظيمي (الذي يتيح للمحازب تحقيق طموحه الشخصي ضمن الأطر والضوابط العامة) والسياسي (الذي يجسد أفكار هذا المحازب وتطلعاته) يشكلان المدخل الطبيعي للانتساب إلى أي حزب.

ولعل أهمية الوثيقة السياسية أنها لا تقتصر على تحديد مواقف مبدئية من مسائل جوهرية هي إجمالا من البديهيات السياسية كالسيادة والاستقلال والحرية وإلى ما هنالك، إنما تشتمل على رؤية شاملة تبدأ من السيادة ولا تنتهي بالإصلاحات السياسية، التي لم يعد بإمكان النظام اللبناني الاستمرار من دون تحقيقها، وما بينهما مقاربة كل الجوانب الحياتية من اقتصادية وانمائية وبيئية وغيرها.

كما أن من أبرز التحديات المطروحة على أي حزب سياسي في لبنان بعد انتفاضة الاستقلال هو قدرته على أن يكون حزبا عابرا للطوائف، لأن الانقسام الطائفي قبل العام 2005 كان يفترض أحزاب من طبيعة طائفية، بينما الانقسام السياسي بعد هذا التاريخ بات يفترض أحزاب من طبيعة مختلفة، باعتبار أن الحزب هو صورة مصغرة عن المجتمع، وهذا فضلا عن أن القضايا المطروحة هي قضايا مشتركة وتتطلب مواجهة مشتركة، ليس بمكونات منفصلة إنما ملتحمة، وكل ما هو خلاف ذلك يعني أن انتفاضة الاستقلال لم تتمكن من اختراق البنى الطوائفية، بينما الحالة الناشئة منذ هذا التاريخ المجيد تثبت عكس ذلك، والأمثلة على ما سبق أكثر من أن تعد وتحصى.

وما لا يمكن أيضا للأحزاب تجاهله أو القفز فوقه هو الثورات العربية التي وحدت المفاهيم السياسية في العالم العربي، بعد أن أزالت المخاوف من نشوء حالات قومية أو نزعات متطرفة، وبعد أن أظهرت أن أولويات الشعوب هي وطنية بامتياز وتتمحور حول الانسان من حريته إلى كرامته ورفاهيته. ومن هنا ثمة حاجة للتواصل مع هذه الحركات التي حولت الكلام عن عالم عربي جديد إلى واقع فعلي ومعيوش، وذلك من أجل ترسيخ هذا المناخ الجديد وتفعيل التعاون المشترك، خصوصا أن اللبنانيين كانوا السباقين في إعلاء الحرية والديمقراطية وحقوق الانسان.

و لا بد، أخيرا، من إعادة التنويه بالخطوة التنظيمية لــ"القوات" الهادفة إلى تجديد نفسها وتفعيل دورها وتزخيم حضورها، خصوصا لجهة تزامنها ومواكبتها للتحولات التاريخية الحاصلة على قدم وساق في المنطقة العربية، ولعل مرد التنويه يعود بشكل أساسي إلى أن "القوات" قررت السباحة عكس التيار، باعتبار أن الأحزاب لا تنمو، إجمالا، إلا في كنف حياة سياسية سليمة، بينما الوضع الحالي مُعَطِل للعبة السياسية وليس فقط الحزبية، لأن الدولة شكلية ومعلقة، وعودة الفعالية الحزبية مرتبطة إلى حد كبير بتحقيق السيادة والاستقلال وقيام الدولة الفعلية والديمقراطية. ومن هنا، يبدو أن "القوات" كانت السباقة باستشراف معالم المرحلة المقبلة.

المصدر:
المركز اللبناني للمعلومات - LIC- لبنان – دائرة التحليل السياسي

خبر عاجل