كتب بيار عطاالله في صحيفة "النهار": عاد الرئيس امين الجميل من زيارته لمصر بانطباعات قلقة، وخصوصاً على وضع المجتمع المدني المصري وفئاته الليبرالية والعلمانية والمسيحيين المصريين، رغم كل الكلام الذي يقال عن التغيير والديموقراطية.
رغم ان زيارة الجميل للقاهرة كانت خاصة لحضور زفاف احد ابناء اصدقائه، ناقش الجميل على هامش زيارته التطورات في مصر والعالم العربي، والتي تبدو امتداداً لتلك الايام التي اعقبت سقوط "جدار برلين" الشهير وانهيار دول المنظومة الاشتراكية في اوروبا على دفعات.
التقى الجميل في زيارته قيادات وكوادر ونخباً من مختلف الاتجاهات، واستمع بانتباه الى ما تشهده مصر من تغيير، وخصوصاً على مستوى محاربة الفساد والتخلص من تركة عهد الرئيس السابق حسني مبارك وخصوصاً لجهة استعادة الممتلكات والاموال العامة المنهوبة والتي تتم بمساندة من اوساط المجتمع الدولي الذي جمد ارصدة آل مبارك واعوانهم وساعد على نجاح الثورة واسقاط النظام القديم. لكن قلق الجميل ليس بسبب تثبيت دعائم النظام الجديد، بل ينبع من خشيته استبدال نظام مبارك المتهم بالقمع والتسلط والتفرد في ادارة شؤون مصر، بنظام آخر اكثر تطرفاً قد يؤدي الى اطاحة قوى المجتمع المدني الليبرالية والعلمانية والتقدمية، اضافة الى المس بمفهوم العيش المشترك بين المسلمين والمسيحيين والذي يعود تاريخياً الى مئات السنين.
واستناداً الى ما تتداوله وسائل الاعلام من تحليلات ومعلومات وما سمعه رئيس الكتائب، فإن قوى التغيير المدنية جميعاً في كفة والقوى الاسلامية المصرية في كفة اخرى. ومن الواضح ان جماعة "الاخوان المسلمين" تمكنت حتى الان من ادارة دفة ميزان القوى التنظيمية والشعبية لمصلحتها لاسباب كثيرة، ليست على عجلة للفوز بالسلطة بل تعمل بهدوء وتؤدة في سبيل هذا الهدف. وهذا ما يرتب على القوى السياسية الاخرى ذات الاتجاهات الوطنية العلمانية تنظيم صفوفها واطرها السياسية استعداداً للانتخابات المقبلة، سواء البرلمانية منها او الرئاسية. وفي خلاصة ما سمعه الجميل أن "الاخوان المصريين" يختلفون عن الحركات السلفية المتطرفة الاخرى في الوسيلة والاسلوب وعدم اعتماد العنف نهجاً، وان هذا التمايز يرتب على "الاخوان" في مصر مسؤولية مضاعفة في العمل على حماية العيش المشترك ومنع اثارة النعرات الطائفية بين المصريين، وضمان عدم تكرار ما جرى بالامس في القاهرة من حرق كنائس واعتداءات على الاقباط. كما ان هذا الامر من مسؤولية الدولة المصرية ومؤسساتها المختلفة التي يجب ان تتحمل عبء حماية السلم الاهلي وتطبيق القانون بحزم على جميع المصريين دون استثناء.
يقيم الرئيس الجميل على حذر مما يجري في سوريا، ويختار كلماته بعناية شديدة انطلاقاً من المسؤولية الوطنية والتاريخية سواء تجاه تأثيرات الوضع في سوريا على لبنان او لجهة انعكاس التطورات على اوضاع الاقليات في سوريا. وفي رأيه ان نخبة المجتمع المصري ومثقفيه وكوادره صفقوا للتغيير وثورة ميدان التحرير في القاهرة، لكنهم اليوم خائفون ويخشون قيام نظام احادي تعسفي. واستطراداً، يعتقد الجميل ان النظام السوري يحمل الكثير من عناصر القوة، وتالياً فإن ازاحته ليست بالامر السهل، لكن ما يجري من تحركات شعبية وتظاهرات متواصلة قد يترك آثاراً على هيبة السلطة والنظام. ويعتبر رئيس حزب الكتائب ان قلة من السنة في لبنان تعتقد ان التغيير في سوريا سيكون في مصلحة الطائفة لجهة قلب الموازين الداخلية في لبنان، كما ان البعض يذهب الى اتهام "تيار المستقبل" وسعد الحريري بتأييد التغيير. لكن ذلك، وفق تحليل الجميل، اعتقاد غير صحيح لأن القوى الاسلامية المتطرفة في سوريا تقيم على تناقض مع غالبية السنة اللبنانيين، والحريري الذي يصفه الجميل بممثل الاسلام اللبناني الليبرالي هو ومن يمثل من غالبية سنية لبنانية لا يمكن ان يكونوا في صف المتطرفين دينياً.
ويرى الجميل ان مستقبل المنطقة على كف عفريت، وان ما يجري فاق كل التوقعات والنظريات السياسية، واستطراداً، فإن استقرار الوضع في مصر قد يؤدي الى قيام تحالف تركي – مصري يمثل قوة هائلة ومؤثرة على الوضع في منطقة الشرق الاوسط برمته بدليل ما كان من امر الاتفاق بين حركتي "فتح" و"حماس"، وان هذا الوضع قد يؤدي الى مزيد من الهجوم الايراني على كل الصعد. وفي انتظار جلاء صورة المشهد الاقليمي المعقد والملتهب بتأثيراته السياسية والاجتماعية ومنها مصير الاقليات والمسيحيين في الشرق الاوسط، يشير رئيس الكتائب الى الاجتماع الجديد بين القيادات المارونية في لبنان والذي يجري الاعداد له بعناية لان ما يحصل من تطورات امر مذهل ويحتاج الى دراسة وتفكير ومقاربة استراتيجية ووطنية شاملة.