"قل للمقيم على ذله
هجيناً يسخر أو يلجم
تقحم لعَنَت أزيز الرصاص
وجرب من العيش ما يقسم
فإما الى حيث تبدو الحياة
لعينيك مكرمة تغنم
وإما الى جدث لم يكن
ليفضله بيتك المظلم"
محمد مهدي الجواهري
"لا تخافوا… ما في حبوس تساع كل الناس بيعتقلوا كثير وبيبقى كتير وبللي بيبقوا راح منكمل، غمر الطوفان الأرض ورجعوها اللي بقيوا، هدمت الحروب المدن وعمروها اللي بقيوا، استعبدوا الظلام الناس حرروهم اللي بقيوا" وفي مقطع آخر من مسرحية "جبال الصوان" التي أبدع بها الاخوان رحباني يسأل الناس "غربة" بطلة المسرحية قائلين: "الوطن، البطولة، الأرض مش أغلى من الحياة"، فتجيب: "الوطن البطولة الأرض مش أغلى من الحياة صحيح… بس الشماتة أصعب من الموت".
لا يمكننا في ظل تتابع الأحداث المذهلة التي تعم العالم العربي إلا أن نتذكر مقاطع من مسرحيات الرحابنة كانت وإن أنتجت في الستينات من القرن الماضي، ولكنها بمحتواها وتعابيرها وثقت لمستقبل آتٍ لا محالة. لقد لزم العرب عدة عقود لتتحقق نبوءة الرحابنة بعد أن خدرت شعوبنا لسنوات طويلة بالشعارات الكبرى التي راحت تتغنى بتحرير فلسطين وبالمواجهة مع العدو والتي استعملت لتبرير القمع وغياب الحريات وانعدام النمو والتخلف الاجتماعي والاقتصادي والسياسي واستمرار قوانين الطوارئ. لقد رضيت شعوبنا بالفقر والتخلف وفقدان الحريات، أملاً منها باستعادة الكرامة من خلال تحرير فلسطين.
لقد لزمت عدة عقود أيضاً لشعوبنا لتقتنع بأن شعارات الأنظمة لم تكن إلا أوراق توت لتغطية العجز والتواطؤ اللذين أصبحا الصفة الملازمة لقياداتها "الملهمة" التي تحولت الى أشباه آلهة آلت على نفسها البقاء في الحكم الى الأبد والى ما بعد الأبد، وليس غريباً اليوم أن نسمع معمر القذافي ينعت نفسه بالمقدس.
منذ أن وعت الشعوب بأن أنظمتها غير قادرة وغير راغبة في استعادة الكرامة الموعودة عن طريق استرجاع فلسطين، بدأت مسيرة الوعي الطويلة الأمد التي لاقتها هذه الأنظمة بمنطقين متوازيين: الأول هو القمع المتمادي لكل مَن تسول له نفسه أن يطرح التساؤلات حول شرعية الحاكم وحول صحة تمثيله للناس وحول النمو والشفافية والحرية والديموقراطية.
والثاني من خلال تعميم الفساد كنوع من الرشوة لجزء من الناس الذين أصبحوا بشكل منطقي حماة النظام الذي ضمن لهم استمرار فوائدهم منه. كما ان الحكام استعملوا مسألة الفساد كوسيلة لابتزاز كل مَن يخطر على باله من الفاسدين بأن يعصي سيدا يوماً أو أن يضع عينه على السلطة.
بالمحصلة فقد أصبح القمع والفساد شعاري العقود الأخيرة من عمر هذه الأنظمة، ومع الوقت أصبح شعور المواطن بالمهانة يكبر خصوصاً بعد أن انفتحت الدنيا على بعضها، وأصبح من المستحيل على النظام أن يكتم الحقائق عن مواطنيه، أو أن يمنع التواصل بين الناس ليتمكنوا من تشكيل حالات مؤثرة وقادرة على التغيير.
إن تراكم الشعور بالمرارة والإذلال هو ما دفع المواطنين إلى اتخاذ قرارات شجاعة تحدت الموت والقمع وانتزعت من قلوبهم الخوف والقناعة التي سيطرت على أفكارهم على مدى عقود، وانتزعت أيضاً عنصر الرهبة المتولدة من سياسات الإرهاب الرسمي الذي أدى فيما مضى إلى محو شخصية الفرد فحوله إلى جماد أو حيوان أليف، أو فرد في قطيع تسوقه مجموعة من كلاب الحراسة.
لقد أكدت الثورات التي انتصرت، والثورات التي ستنتصر، بأنها قادرة على تحقيق المستحيل لأنها ترتكز على مبادئ مترسخة في الطبيعة الإنسانية وهي قيم حق الحياة بحرية وكرامة تحت لواء العدل والمساواة. لذلك فمن المؤكد ان هذه الثورات لم تكن على شخص أو حاكم أو مسؤول، بل هي ثورة على ثقافة الذل والخنوع التي سيطرت على حياة كل الناس وأفكارهم على مدى ستة عقود، منذ اليوم الأول الذي استولى فيه اصحاب النجوم والنياشين على الحكم في بلادنا.
والمضحك المبكي هو انه ما زال هؤلاء الحكام يتحدثون عن مؤامرة تحاك اليوم ضدهم مع العلم ان المؤامرة كانت ولا تزال بقاؤهم في الحكم رغم أنف شعوبهم على مدى العقود.
فإن كان لهذه الثورة اسم اليوم فهو "ثورة استرجاع كرامة المواطنين من اصحاب النياشين".