#adsense

حزب الله – عون: أزمة النظام أولاً

حجم الخط

 لا تعدو أزمة تأليف الحكومة المكلف تشكيلها الرئيس نجيب ميقاتي كونها أعراض أزمة أكثر حدة حول النظام في لبنان· فهي باتت على الارجح الغلالة الرقيقة التي يغطي بها كل من حزب الله والنائب ميشال عون دفعهما المضمر بإتجاه فرض أزمة حكم وأزمة نظام على الحياة السياسية اللبنانية، وسط متغيرات إقليمية وعربية عاصفة، تهدد الجميع في لبنان بقدر ما تفتح شهية البعض على المغامرة.

بل إن إدامة الأزمة الحالية وتوظيفها لدفع ما تيسر من <قوى النظام> لإعلان اليأس بات هو التفسير الأكثر منطقية الذي تعطيه جهات سياسية في لبنان لما يتم تظهيره على أنه فشل الأكثرية الجديدة في حل مسألة توزيع الحصص فيما بينها وبين رئيس الجمهورية والرئيس المكلف· ويندرج في هذا السياق إعلان رئيس مجلس النواب نبيه بري عن أنه <يائس وبائس>، وهو ما وصفه سياسي لبناني رافق الرئيس نبيه بري في حقب كثيرة من مسيرته السياسية بالموقف الأكثر تشاؤماً له منذ نحو ثلاثين سنة· كما يندرج فيه أيضاً تحذير حاكم مصرف لبنان رياض سلامة أنّ لبنان وصل إلى مستوى <دون الخطّ الأحمر>· وإذا كان بري يمثل ما بقي من قوى النظام داخل معسكر الثامن من آذار، فإن سلامة يمثل من خلال موقعه العمود الفقري لهذا النظام ولإستقراره ولأمنه النقدي والمالي والإجتماعي تالياً·

فإدامة الأزمة الراهنة تسمح، من وجهة نظر الثنائي حزب الله ? عون، تدعيم سعيهما لإنتزاع إعتراف سياسي لبناني بضرورة فتح ورشة تعديل النظام السياسي، الذي ليس أدل على أعطاله من عدم قدرة فريق متجانس سياسياً على تشكيل الحكومة، بعد أن فشل هذا الفريق مع آخرين في تفعيل حكومة الوحدة الوطنية التي تشكلت في أعقاب الإنتخابات التشريعية في العام 2009·

وهنا يلاحظ مراقبون أن عون وإن كان يتلطى خلف مماحكات تتصل بتصوره عن حصته الحكومية وطبيعة مكونات هذه الحصة، الا أنه في واقع الأمر، غالباً ما يذهب مباشرة الى محاججة واضحة في مسألة الصلاحيات الدستورية، أكان ما يراه فائضاً في صلاحيات رئيس الحكومة أو عجزاً في صلاحيات رئيس الجمهورية· فهو يظهر حساسية مفرطة حيال صلاحية رئيس الحكومة تسمية الوزراء الذين يعتقد انه يرتاح الى العمل معهم ضمن الفريق الحكومي مؤكداً، ومكرراً التأكيد، أن صلاحية الرئيس المكلف لا تتعدى توزيع الحقائب بالتفاهم مع الكتل النيابية· كما أنه لا يبدي أي تهاون في ما يراه محاولة لتعويم رئيس الجمهورية بإعطائه عدداً من الوزراء يرى عون أنه تأكل من حصته·

من جهته فإن حزب الله، ومنذ خروج الجيش السوري من لبنان في نيسان 2005 تحت وطأة إنتفاضة الإستقلال، لا يكف عن المراوغة حول فكرة تعديل النظام إما بالنصوص إن أمكن، وإما ببلورة، ما يمكن تسميته، <اعراف تطبيقية> جديدة للنظام تتمحور حول إستحواذ الطائفة الشيعية على حق الفيتو في عملية الادارة السياسية والأمنية والإجتماعية للنظام السياسي·

وعليه فإن الفشل <المنظم> في الوصول الى تشكيل حكومة أكثرية جديدة، يمثل حلقة الاستفحال القصوى للمسار البادىء منذ أن القى إنسحاب الجيش والاستخبارات السورية من لبنان، على اللبنانيين وحدهم تبعة إدارة نظامهم السياسي· فهذا المسار مر بمنحنيات معقدة كانت، على الدوام، ماثلة في تفاصيله الرغبات في تعديل النظام مدفوعة بالتقاطع بين حزب الله وعون·

كان حزب الله يدخل للمرة الاولى الى الحكومة اللبنانية بعد إنتخابات 2005 وقد استبق دخوله بخوض معركة علنية حول الحق الحصري للثنائية الشيعية في تسمية وزراء الطائفة في الحكومة مفتتحاً أولى الخطوات بإتجاه معركة أوضح حول النظام السياسي·

في تشرين الثاني من العام 2005 تعرضت الحكومة اللبنانية للإهتزاز الجدي الاول لها إذ انسحب من الجلسة التي عقدتها الحكومة وزراء الثنائي الشيعي، إحتجاجاً على إصرار رئيس الحكومة، فؤاد السنيورة، طرح خطابٍ للرئيس بشار الاسد للمناقشة من خارج جدول الأعمال، هو الخطاب الذي وصف فيه الاسد رئيس حكومة لبنان بالعبد المأمور للعبد المأمور· لم يكن موقف وزراء الثنائية موقفاً سياسياً وحسب بل موقف يتجاوز في العمق القواعد الدستورية لإدارة مجلس الوزراء ويمهد لمزيد من الإشتباك مع صلاحيات رئيس الحكومة أي الإشتباك داخل بنية النظام وليس على ضفاف المساحة السياسية·

لم يتأخر موعد الصدام الثاني الذي رفع درجة الإشتباك من مستوى مقاطعة جلسة لمجلس الوزراء الى مستوى الإعتكاف· فيوم اغتيال النائب والصحافي جبران تويني في 12 كانون الأول 2005، أصرت قوى 14 آذار حينها على الاجتماع وإقرار طلب لبنان من الأمم المتحدة إنشاء المحكمة الدولية ما ادى الى اعتكاف الوزراء الشيعة الخمسة في الحكومة لمدة 7 أسابيع· واللافت أن عودة الوزراء عن إعتكافهم جاء بعد?تحقيق حزب الله نتيجتين سياسيتين مهمتين· أولاً خطاب للرئيس السنيورة في مجلس النواب أكد فيه <أننا لم نسمِ المقاومة يوماً بغير إسمها>· وثانياً اطلاق رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري مبادرة سياسية تقضي بعقد جلسات حوار وطني بين القوى الاساسية في البلاد ومناقشة المواضيع السياسية الاساسية المطروحة واهمها ازمة رئاسة الجمهورية، وموضوع السلاح الفلسطيني خارج المخيمات، وسلاح حزب الله وتصحيح العلاقات اللبنانية-السورية من خلال اقامة علاقات دبلوماسية بين بيروت ودمشق·

وعبر هاتين النتيجتين كان حزب الله يحدث إختراقاً إضافياً في جسم النظام في لبنان عبر تكريس المقاومة كواحدة من مقدسات العقد السياسي اللبناني كما عبر الإلتفاف على مؤسسة مجلس الوزراء بسحب القضايا الخلافية عن طاولته المحكومة بقواعد دستورية محددة الى طاولة محكومة بإنتاج توافقات خارج قواعد النظام·

اللافت أنه قبل العودة الميمونة هذه، إزدهرت التسريبات في إعلام قوى الثامن من آذار حول ما سمي تفاهم الرياض بين رئيس كتلة المستقبل في حينه النائب سعد الحريري وحزب الله والقاضي، بحسب التسريبات التي تعبر عن فهم أو تمني الثنائي الشيعي للتفاهم المزعوم، التشاور المسبق في الملفات الحكومية والإدارية، وما يخص التعيينات الإدارية والأمنية على نحو رأى السنيورة في حينه انه يتعارض والصلاحيات الدستورية للوزراء ولرئاسة مجلس الوزراء·

كما أعقبها، اي عودة الوزراء، بأيام قليلة الاعلان عن تفاهم مار مخايل بين حزب الله والنائب ميشال عون· جاءت الوثيقة الخالية من أي ذكر لإتفاق الطائف لتضع إطاراً شيعياً مارونياً للمعركة مع النظام بين قوتين لم تعترفا يوماً بالطائف كمرجعية نهائية تحكم العلاقة بين اللبنانيين· بل وضعت وثيقة التفاهم أساس فلسفة هذه المعركة حين نصت بشكل مشوه على أن <الديموقراطية التوافقية تبقى القاعدة الأساس للحكم في لبنان> مضيفةً أن <أي مقاربة للمسائل الوطنية وفق معادلة الأكثرية والأقلية تبقى رهن تحقق الشروط التاريخية والاجتماعية للممارسة الديموقراطية الفعلية التي يصبح فيها المواطن قيمة بحد ذاته>·

ويمكن التأريخ بهذا الإتفاق للولادة الفعلية لمشروع قوى الثامن من آذار بإعتباره مشروع إصطدام بالنظام السياسي اللبناني، إذ تكثفت في إثره مطالبة قوى الثامن من آذار بتشكيل حكومة وحدة وطنية تنال فيها هذه القوى الثلث المعطل، أي حق الفيتو داخل مؤسسة مجلس الوزراء خلافاً لأي معطى دستوري، وتحت عنوان إعادة تكوين السلطة في لبنان·

هكذا مضى قطار التعايش القسري والمضطرب داخل حكومة الرئيس فؤاد السنيورة الى محطة الطلاق الأخيرة· فبعد مقاطعة إحدى جلسات مجلس الوزراء ثم توسُع الشق ليترجم إعتكافاً دام نحو خمسين يوماً قرر وزراء حركة أمل وحزب الله الإستقالة معللين الخطوة بأمر رئيسي هو تفرد الأكثرية النيابية بالحكم، أي ممارسة الأكثرية لحقها الطبيعي كأكثرية في إتخاذ القرارات في القضايا?الخلافية عبر آلية التصويت· أما موضوع الخلاف هنا فكان إقرار مسودة المحكمة الخاصة بلبنان الذي يعطي للإستقالة نكهتها الخاصة·

فتحت الإستقالة أبواب الأزمة اللبنانية على مصراعيها وتم اللجوء في خلالها الى لعبة الشارع أكثر من مرة· ومع إستفحال الأزمة في ظل إستقالة الوزراء الشيعة وعدم قبول الرئيس السنيورة هذه الاستقالات مدركاً أن سلاح حزب الله لن يسمح بتعيين وزراء شيعة من خارج الثنائية، دخل اللبنانيون في نقاش مضمر ومعلن حول النظام· وكانت المناقشات التي خاضها في أحيان كثيرة من تلك الحقبة أمين عام جامعة الدول العربية ووزير الخارجية الفرنسية برنار كوشنير مع أطراف الأزمة تلامس عناوين تعديل النظام مرة من باب النقاش في إختلال توزيع الصلاحيات وأخرى من باب طرح المثالثة كبديل عن المناصفة بين المسلمين والمسيحيين في لبنان والمؤسس لها في إتفاق الطائف·

ويتذكر سياسيون ممن شاركوا في فاعليات مؤتمر الحوار في قصر لا سيل التابع لوزارة الخارجية الفرنسية في سان كلو صيف العام 2007 أن المداولات تمحورت في مجملها، بدفع من قوى 8 آذار، حول الأزمة اللبنانية بإعتبارها أزمة نظام أولاً·

لم يكن الإستعصاء مما يمكن مواجهته بالحوار· فكان السابع من أيار 2008 خيار حزب الله المسلح لإبطال مفاعيل وجود أكثرية نيابية صلبة، محققاً?بالاجراء القسري ما عجزت مئات ساعات الحوار عن حسمه· هكذا فتح إتفاق الدوحة الباب أمام تكريس الثلث المعطل للمعارضة في وثيقة لبنانية-عربية إلتبست صلتها بإتفاق الطائف بحسب موقع الناظر اليها· فحزب الله وعون أراداها صيغة تنفيذية لإتفاق الطائف فيما وجدت فيها قوى 14 آذار مهبطاً إضطرارياً قبل الإقلاع مجدداً ?من محطة الإنتخابات النيابية في عام 2009·

مجدداً وجدت القوى السياسية اللبنانية نفسها في حكومة السنيورة الثانية أمام صيغة تعايش قسري، تؤمن إخصاء مؤسسات النظام وتحييد إستخدامها من قبل من يمتلك اليد العليا فيها، اي الأكثرية النيابية، الى حين حسم طبيعة المشاركة السياسية بمجملها داخل النظام· والمفارقة هنا أن من فرض هذه الآلية لم يقبل المساس بالعنصر المؤسس لقوته وهو السلاح·

خاض حزب الله وعون (بشكل رئيسي) الإنتخابات النيابية تحت عنوان إعادة تكوين السلطة في لبنان· الاَّ أن فشل هذا الفريق في الفوز بالانتخابات في العام 2009 أعاد عقارب الساعة الى الوراء· ولم يساعد ذهاب الرئيس سعد الحريري في خيار حكومة الوحدة الوطنية في أولى الحكومات التي يشكلها في تفادي الإصطدام بين قوى <إعادة تكوين النظام> (وليس السلطة) وبين النظام نفسه، فكان أن إنهارت هذه الحكومة بإستقالة ثلثها المقنع بالوزير الوديعة ضمن حصة رئيس الجمهورية·

هكذا تقفل دائرة أزمة النظام البادئة منذ أول إنتخابات برلمانية بعد إنتهاء الوجود السوري في لبنان والمنتهية بالقرار بالعجز عن تشكيل حكومة الفريق الواحد·

المصدر:
اللواء

خبر عاجل