الذهاب الى السلام بخطابات مختلفة
انتهت حرب 1973 إلى ما انتهت اليه، بنصف انتصار عسكري على الجبهة المصرية وانتصار معنوي كبير من خلال عملية العبور واختراق خط بارليف، وبهزيمة كاملة على الجبهة السورية رغم البطولات التي أبداها الجيش السوري. فكان ذهاب السادات إلى القدس ولاحقا توقيع اتفاقية "كامب دايفيد" التي استرجع بموجبها سيناء.
اعادة التموضع المصري على الرقعة الجيوسياسية شكل اعلانا واضحا وصريحا عن انتهاء حقبة كاملة من التاريخ العربي الوحدوي، وصدمة استثنائية للشعوب العربية وللوجدان العربي من خلال نعي حلم الوحدة العربية وفشل التحرير كما وفشل النهضة العربية.
والنتيجة المباشرة لهذا الزلزال (وهنا لا أقصد "كامب دايفيد" كاتفاق عار كما يحلو لبعضهم أن يسميه، بل أقصد "كامب دايفيد" "كنتيجة" طبيعية لفشل تجربة كاملة لم يتم أخذ الدروس والعبر منها حتى يومنا هذا، كان أن تتنازع العالم العربي خمس اتجاهات سياسية أساسية:
1- التيار الذي قادته مصر منفردة والقائم على الاعتراف بإسرائيل وإقامة السلام معها مقابل استرجاع الأرض.
2- تيار يتبنى ضمناً الإتجاه المصري، ولكن ينتظر اللحظة المناسبة والمظلة الدولية لكي ينخرط بالمشروع (التي تمثلت لاحقا بمؤتمر مدريد).
3- التيار الثوري الذي كانت بدأته منظمة التحرير (بأغلبية من التيارات اليسارية) بعد حرب 1967، الداعي إلى المقاومة وحرب عصابات، أمام انهزام الأنظمة العربية. لكن هذا التيار أيضا كان أسير المعادلات الإقليمية (بين مختلف الأنظمة العربية)، وانتهت التجربة بفشل كبير وبتفجير الوضع اللبناني.
4- التيار الرابع والتي مثلته بقوة سوريا، ولكن أيضا السودان والجزائر والعراق وليبيا، الذي يقوم على فكرة "الممانعة". فكرة قائمة على التخلي عن الحرب والصراع التقليدي من جهة والإبقاء على الممانعة والصراع اللفظي من جهة أخرى، تحت عناوين قومية (Effet d’annonce). الدول التي اختارت هذا التوجه لم تتورع عن استعمال الحركات الثورية الشعبية وتطويعها، جاعلة منها ورقة مساومة سياسية في أي مفاوضات مستقبلية، (لإسترجاع الأرض أو للحفاظ على السلطة). هذه الدول "الممانعة" بالظاهر تتبنى بامتياز استراتيجية سياسية قائمة على استدراج التسوية مع الإسرائيليين من خلال تهديد الإستقرار الإقليمي وتحريك "حروب العصابات" من هنا والتلويح بالإسلام السياسي من هناك (Effet de Nuisance).
5- التيار الخامس والأخير، هو التيار الإسلامي الرافض للتجربة القومية (بشقيها اليميني واليساري) ولنتائجها. هذا التيار وبرغم تجييشه ضد "كامب دايفيد" والكيان الصهيوني، ركز مجهوده في الغالب لمحاربة الأنظمة من جهة (في صراع على السلطة) ولمحاربة مظاهر الحداثة والـ "تغريب" في مجتمعاتنا بشكل أساسي.
مصريا:
بعد اتفاق "كامب دايفيد" أخرجت مصر من الجامعة العربية، فانغلقت على نفسها، فاقدة بذلك قوة تأثيرها الجيوسياسية (على الصعيد العربي والإسلامي، كما وعلى الصعيد الأفريقي ودول عدم الإنحياز)، فبدأت بذلك مرحلة جديدة كانت فيها المراهنة على الوقت لتغيير المعادلات هي سيدة الموقف. من "كامب دايفيد" وصولا إلى حسني مبارك مروراَ باغتيال السادات مرَ النظام المصري بمصاعب جمَة: داخليا كان التحدي الأكبر يشكله الإسلاميون، وخارجيا كثرت مشاكله مع حديقته الخلفية (أي السودان وليبيا) ومع معظم دول "الممانعة" التي أرادت أن تبني خطابها السياسي الشعبوي على معاداة "كامب دايفيد" والموقف المصري (وأضيف الى هذه الدول لاحقا الجمهورية الإيرانية الناشئة).
خلال هذه الفترة فرض النظام المصري حالة طوارئ في البلاد وإدارة أمنية حديدية، مثله مثل معظم الدول العربية. لكن النظام الإستبدادي (وهنا المقارنة نسبية) لم يكن كاملا وشاملا، فهو لم يكن توتاليتاري وإنما نصف استبدادي في حقول ومجالات كثيرة: فالحياة الفنية والثقافية في البلاد بقيت على هامش كبير من الحرية، وهذه الحرية لعبت دورا مهما في مقاومة التطبيع الثقافي والسياسي مع إسرائيل (الذي لم تتبناه رسميا الدولة المصرية ولم تسع إليه) بل على العكس، التهديد للحريات الثقافية والفنية اتى من السلطة الدينية وبخاصة من الاخوان المسلمين. رغم حجم ودور الجيش المصري في الحياة السياسية وفي إدارة شؤون الدولة ورغم تضخم حجم الأجهزة الأمنية (لتصل إلى مليون وثلاثمئة ألف عنصر عام 2010) ورغم الطابع التسلطي للنظام وغياب الديمقراطية، إلا أن النظام لم يستطع تدمير البنى والتنظيمات الوسيطة (Les Structures intermédiaires) تدميرا كاملا، ولم تتحول الدولة إلى دولة توتاليتارية وديكتاتورية يكون فيها الفرد ضعيفا وهشا ووحيدا أمام آلة التسلط والقهر من دون أجسام وسيطة للدفاع عنه. فظلت بعض النقابات عصية على الإخضاع، مثل نقابتي الفنانين والمحامين، وظل القضاء يعمل بالحد الأدنى (رغم الفساد)، والأحزاب المعارضة لم تختف كليا من المشهد السياسي ولم تنف قياداتها، مما سمح بالحفاظ على شكل من أشكال المجتمع المدني رغم بقائه تحت الرقابة والضغط.
أضف إلى كل ذلك أن النظام المصري لم يتورط بمجازر وإبادات ضد شعبه (كما هي الحال في عدد كبير من الدول العربية)، فلم يكن هناك سجون سرية ومعتقلات تعذيب منظم. لكن مع مرور الوقت، زادت حدة التسلَط على المجتمع المصري من خلال تورط أكبر للأجهزة الأمنية مقابل انسحاب تدريجي للجيش من الواجهة السياسية المباشرة (الذي زاد تهميشه في السنوات الأخيرة). زد على ذلك جنوح الحزب الوطني إلى لعب دور الناظم للحياة السياسية والوصي على أجهزة الدولة، فكان حامي الفساد وواضع العراقيل أمام أي إصلاح حقيقي.
ورغم أن النظام المصري هو نظام نصف رئاسي – نصف برلماني، إلا أن طبيعة النظام التسلطي سمحت لمبارك بلعب دور الرئيس القوي القابض على مقاليد السلطة، فتحول الى فرعون، ليصل الأمر أخيرا إلى التخطيط والتجهيز لتوريث السلطة لابنه جمال، وهذا ما لم يحدث لحسن الحظ. زد على ذلك أن مصر لم تشهد ظاهرة استبدال كاملة للطبقة الوسطى (أو للبرجوازية)، إلا أنه ظهر على المسرح المصري طبقة من رجال الأعمال الفاحشة الثراء، المستفيدة من النظام القائم والفساد، طبقة تلتقي مصالحها مع نظام التسلط، والتي كثيرا ما كانت توجه إلى رجالاتها تهمة إقامة علاقات حميمة وتطبيعية مع اسرائيل.
ماذا عن سوريا:
رغم خسارة سوريا لحرب 1973، تعززت شرعية حافظ الاسد شعبيا (وهذه من مفارقات الثقافة الشعبية التي بدأت ملامح تغيرها مع الثورات العربية الحالية)، مما سمح له بأن يحكم سوريا بيد من حديد. فحال الطوارئ في سوريا كانت أشد احكاما مما كانت عليه في مصر. تحت شعار وحدة الشعب العامل وتوحده في صراعه مع إسرائيل، شكلت الجبهة الوطنية من الاحزاب التي أخضعت لحزب "البعث"، أما باقي الأحزاب المعارضة فغيبت وحوربت: منه من ذهب للعمل السري والسجون ومنه من ذهب إلى المنفى. حتى عام 2001، كانت القيادات المعارضة امَا مسجونة وإمَا منفية، وهذا ما لا تزال عليه الحال حتى يومنا هذا. فالحياة السياسية في سوريا لم يستطع البعث تحملها، رغم ضعفها منذ الاستقلال وضعف التقاليد البرلمانية وتعددية الرأي.
ساهمت الحوادث اللاحقة في تعميق التوجه الاستبدادي (ذهاب السادات الى القدس- كامب دايفيد، انتفاضة حماه وحرب النظام مع الجماعة الإسلامية، الدخول الى لبنان)، فكان على النظام أن يتبع منهجا منظما تدميريا لكل أشكال المجتمع المدني من أحزاب ونقابات وجمعيات. فهمشت وأبعدت النخب السياسية والثقافية والفنية والإعلامية وغيب القانون والقضاء لمصلحة سلطة الحزب ولقوانين الطوارئ، فتحول البعث إلى الحزب الحاكم الأوحد وتعمقت الديكتاتورية بعد زوال مظاهر التوتاليتارية( التوجهات الوحدوية والتقدمية والإشتراكية). فكان أن بدأ تحول اجتماعي سياسي خطير يقوم على استبدال النخب (لا على تعزيزها) والطبقة الوسطى على أساس حزبي ضيق وعائلي و"اجتماعي أقلوي"، جعل السلطة تتمركز أكثر فأكثر في يد شخص واحد، يصار إلى مبايعته بشبه استفتاءات.
البراغماتية التي طبعت سياسة الأسد الأب منذ توليه السلطة عام 1970 تعمقت بعد ذهاب السادات إلى القدس عام 1976. فقام بتغذية التناقضات اللبنانية ليصار لاحقا إلى دخول الجيش السوري إلى لبنان تحت مظلة أميركية ودولية. هذا التحول الجيوسياسي، راهن فيه حافظ الاسد على وضع اليد على الورقتين اللبنانية والفلسطينية لتعزيز موقفه التفاوضي في أي عملية سلام مستقبلية بالاضافة إلى ادارة اتفاقية الهدنة على جبهة الجولان بمركزية مطلقة بحيث لم يصار الى حرب استنزاف ولا حتى إلى سياسة "مقاومة سياسية"، مما أسقط مع مرور الوقت من الذاكرة الجماعية العربية أن هناك جولاناً محتلاً.
كما عمد الاسد الاب إلى تجميع الأوراق الإقليمية للتحكم بالإستقرار الإقليمي (دعم الأكراد، بعض المنظمات الفلسطينية الهامشية، المعارضة الأردنية والعراقية)، مما ثبت دوره الإقليمي. تحالفه مع إيران الخمينية وتطويرهما معا لسياسة مشتركة في لبنان، جعل من الصعب تخطي نظام الاسد في أي معادلة شرق أوسطية. هذه الانجازات عززت بعد غزو الكويت من خلال اطلاق يد سوريا اميركيا في لبنان ما بعد الطائف.
كل هذه الانجازات كانت تحدث على وقع تدمير المجتمع المدني السوري وتدجينه، ليصبح المواطن السوري أعزل أمام آلة القمع الأمنية، وتواطؤ المجتمع الدولي أمام ما يحدث داخليا، للمحافظة على توازن اقليمي (مدمر للتطور الديمقراطي والإقتصادي) مفيد للأنظمة القائمة وللغرب.
للعب دور إقليمي (أكبر من حجم سوريا الحقيقي- الإقتصادي والسياسي) وللمحافظة على السلطة وقمع التناقضات الداخلية، حصل تحول سوري داخلي لم يحدث في مصر، ألا وهو غضَ النظر عن أي مجهود حربي جدي في الصراع مع إسرائيل. فأصاب دور الجيش تحولا كبيرا لتصبح من مهماته الأولى، المحافظة على الأمن الداخلي للنظام (خصوصا بعد حوادث حماه والدخول إلى لبنان). هذا التحول زاد من التسلط والاستبداد، مما سيصعب اي انتقال سلمي للسلطة مستقبليا، لغياب جهاز دولتي حيادي وذي مشروعية كبيرة.
كل ذلك سمح لحافظ الاسد بتوريث السلطة الى ابنه بشَار(وهي الجمهورية العربية الوحيدة التي حدث فيها التوريث) في لحظة تاريخية استثنائية، كانت فيه المعارضة السورية مقموعة والمجتمع الدولي متواطىء ومؤيد لفكرة الديكتاتوريات الداعمة للإستقرار والقامعة لحركات المعارضة، خاصة الأسلامية منها (Despotisme éclairé ou Dictateur séculaire).
إستراتجية الأسد الأب التي تكلمنا عنها سلفا، أعطت ثمارها حتى العام 1990. فانخرطت سوريا في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل بعد عودت مصر إلى الجامعة العربية وعلى وقع تراجع وانهيار السوفيات (فكان مؤتمر مدريد، الذي شكل لحظة قطع تاريخي، بحيث أصبح من بعده من الصعب التطرق الى كامب دايفيد كأتفاق خيانة وعار). كل التقارير والتصريحات تدل على أن الدول العربية وبخاصة دول الطوق، مع انطلاق مؤتمر مدريد، كانت تتسابق لتكون من أولى الدول الموقعة لإتفاقية سلام مع إسرائيل: ساعية بذلك إلى انتزاع أكبر قدر ممكن من المكتسبات خصوصا أن موازين القوى الإقليمية والدولية كانت تميل بقوة لمصلحة اسرائيل.
فكانت اتفاقية أوسلو وتبعتها إتفاقية العقبة، مما أبقى سوريا وحيدة وضعيفة (لم يكن بيدها ورقة ضغط إلا الورقة اللبنانية وورقة هز الإستقرار)، غير قادرة بامكاناتها الذاتية استعادة الجولان. فعاد لبنان ليكون ساحة تصفية الحسابات الإقليمية وصندوق بريد المفاوضات. شهدت تلك الفترة تقاربا سوريا استثنائيا مع إيران، ادى الى أعطاء الانذار الأول لإسرائيل من خلال حرب 1996 (عناقيد الغضب) لتذكيرها بان سوريا ما زالت موجودة وقادرة على هز الإستقرار، رافعة بذلك شعار الممانعة والمقاومة ولكن "الممانعة الى حين": الى حين العودة إلى مفاوضات جدية لاسترداد الجولان.
فخلال التسعينات استمرت المفاوضات بوتيرة متفاوتة بين سوريا وإسرائيل بالتزامن مع تصعيد العمل العسكري في جنوب لبنان كماً ونوعا خصوصا بعد العام 1996. فطوال هذه الحقبة وحتى وفاة الرئيس الاسد عام 2000، كانت السياسة السورية منكبة على ادارة الملف اللبناني الذي زادت أهميته الاستراتيجية، فزاد القمع السياسي وعلق العمل بالطائف وبالمصالحة الوطنية، وجيش كل المجهود لدعم "حزب الله" لإلحاق أكبر أذى ممكن بإسرائيل.
إلا أن إسرائيل سحبت هذه الورقة الرابحة من سوريا بعد انسحابها الآحادي الجانب من الشريط الحدودي، وكلنا نتذكر الارتباك الذي أصاب القيادة السورية وحلفائها في لبنان أثر هذه الخطوة. فبعد تسلم الأسد الابن لمقاليد السلطة، كان المشهد الإقليمي قد بدأ ينقلب رأسا على عقب بالتزامن مع زيادة التحديات الداخلية في سوريا على الصعيدين السياسي والإقتصادي. فحاول بشار تقديم نفسه على أنه رجل الإصلاح والازدهار، فإذا بالجميع ينتظر قدوم ربيع دمشق. وبالفعل أطلق الاسد مجموعة من الاصلاحات السياسية بالاضافة الى خطوات اقتصادية ليبرالية تدريجية. لكن ربيع دمشق الذي انتظرناه لم يأت بسبب عمق التناقضات البنيوية وحجم الفساد والاحتكارات التي لا تداوى بعمليات تجميلية صغيرة. مما دفع الاسد الى تبني النموذج الصيني القائم على سياسات تنموية اقتصادوية تذهب تدريجيا نحو الليبرالية مع الإبقاء على سلطة الحزب الواحد في ظل غياب تام للاصلاحات السياسية والديمقراطية.
سريعا بدأت العواصف السياسية تضرب سوريا والمنطقة: فكان انطلاق الانتفاضة الفلسطينية الثانية، وبدأت المواجهات السياسية في لبنان من أجل تطبيق "الطائف"، فاعتداءات 11 أيلول، فاحتلال افغانستان والعراق، واخيرا وليس آخرا اغتيال الرئيس الحريري في قلب بيروت. كان الضغط السياسي كبيرا على سوريا خصوصا بعد انسحابها من لبنان عام 2005، مما دفع الاسد أكثر فأكثر إلى التصلب السياسي على الصعيد الداخلي والاقليمي فانقض على المعارضة السورية وهدد بضرب الاستقرار الاقليمي على كافة الجبهات (العراق ولبنان وفلسطين). إلا أن الجبهة السورية بقيت هادئة حتى في أحلك الظروف، "حرب تموز 2006"، ترسل من خلالها الرسائل السياسية والديبلوماسية الساعية إلى السلام كـ "خيار سوري استراتيجي" (وهنا يصح أن نطلق صفة "الممانعة" على اسرائيل وليس على سوريا. فاسرائيل هي التي لا تريد السلام ولا التنازل عن الجولان). هذه الفترة الممتدة بين عامي 2000 و2010، والتي تفرغ خلالها النظام السوري إلى إدارة التغيرات الجيوسياسية، منعته من النجاح في عملية التنمية الداخلية. فإذا كان هناك بعض من الإنجازات الإقتصادية، فتبقى مربوطة مباشرة بالفورة النفطية وبحالة انعدام الاستقرار في كل من العراق ولبنان.
خلاصة:
هكذا كان الوضع في كل من سوريا ومصر بعد حرب 1973. الجميع أمام هول الحقائق وحقائق موازين القوى الإقليمية والدولية، التي دفعت الجميع إلى الانزواء قطريا في محاولة للحفاظ على الأنظمة القائمة. فمصر نجحت في انتزاع اتفاق السلام الأول وراهنت على المستقبل لتغيير المعادلات الإقليمية (وبقيت عربية لا كما حصل في العراق، ادخال الخلاف على الهوية والعلم العربيين). سوريا الأقل وزنا من مصر، لم تستطع أن تنتزع لنفسها دورا رياديا عربيا وازنا، ففشلت في الإصلاح السياسي كما الإصلاح الإقتصادي ولم تكن على مستوى الإستحقاقات القومية والتحديات التي يتطلبها تحرير الجولان. فكانت في المحصلة الأخيرة، نتائج وتداعيات "كامب دايفيد" على القضية القومية المركزية (فلسطين) وعلى قضايا العرب عامة، هي نفس النتائج والتداعيات لأتفاقية الهدنة ولطريقة ادارة الوضع على جبهة الجولان.
ففي مصر التي كان فيها نسبيا بعض الحريات، أطلقت السلطة بعض المبادرات الإصلاحية. فجرت فيها انتخابات شبه حرة نالت على أثرها الجماعة الإسلامية عددا كبيرا من مقاعد المجلس التشريعي. مباشرة بعد هذه الانتخابات، توقف الإصلاح السياسي وأبقي على حال الطوارئ وعملت السلطة والحزب الحاكم مدعوما بكبار رجال الأعمال على تهيئ الظروف الملائمة من أجل توريث الرئاسة لجمال مبارك. توجت هذه الإستراتيجية بتزوير فاضح وكامل للانتخابات البرلمانية عام 2010، ضاربة بذلك آمال الشباب بإي اصلاح سياسي وديمقراطي. فكانت الشعرة التي قصمت ظهر البعير، فانفجرت الثورة المصرية لتصحيح الواقع من خلال تغيير جذري للسلطة بعد أن أعطت تونس الشرارة الأولى كاسرة بذلك حاجز الخوف.
أما سوريا وربيعها المنتظر، فغاب أمل التغيير، تزامنا مع ظروف أقليمية ودولية شديدة التعقيد والحساسية. فمن أجواء صراع الحضارات الذي انعكس تشنجا على الساحتين العربية والإسلامية، وفي ظل وجود المحافظين الجدد وبوش الإبن في السلطة الأميركية إضافة الى غزو العراق، كان الشعور القومي يتعاظم في سوريا ويأخذ الحيز الأكبر من اهتمامات وتطلعات الناس. كما ولعب "حزب الله" في لبنان من خلال انجاز التحرير وحرب تموز2006 دورا كبيرا في تعزيز هذا الشعور وتعويم النظام السوري وإبرازه على أنه رأس الحربة في المشروع المقاوم. لكن فشل المحافظين الجدد في العراق ومجيء الديمقراطيين إلى الحكم في أميركا طوى هذه المرحلة المشؤومة. فانتهى كل ذلك بتراجع التوتر والتشنج القومي لتجد الشعوب العربية نفسها مرة جديدة أمام إخفاقات التنمية الداخلية وانسداد أفق الإصلاح السياسي. وهنا تكمن أهمية الإنتفاضات العربية الحالية التي استطاعت وللمرة الاولى منذ الاستقلال ان تفصل بين متطلبات القضية القومية من جهة وأولويات الإصلاح السياسي والإقتصادي من جهة اخرى، واضعة هذه الأخيرة في سلم أولوياتها (Des objectifs et des Valeurs Non-Substituables).
ترقبوا الجزء الرابع بعنوان "مقارنات بين الأقتصاد المصري والسوري"