تكتسب القمة الروحية الاسلامية – المسيحية التي تنعقد في بكركي اليوم، اهمية استثنائية تستوجب منها التصدي، لطمأنة مسيحيي لبنان والمنطقة في مواجهة تهويل انظمة مهتزة بما ستتعرض له الاقليات في حال سقوطها، خصوصا بعد اعتداءات متشددين اسلاميين على كنائس قبطية في القاهرة مطلع الاسبوع الجاري.
وتشارك نحو 35 شخصية دينية في القمة التي ستضم للمرة الاولى ممثلين للطائفة العلوية الى جانب مختلف الطوائف الاسلامية والمسيحية. وهدفها تظهير توافق المسؤولين الدينيين على قضايا ابرزها العيش المشترك واهمية دور الدولة في مناخ الاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي خصوصا ان الاكثرية النيابية الجديدة تبدو بعد اكثر من مئة يوم عاجزة عن تشكيل حكومتها.
ويسهم نجاح القمة الروحية في التخفيف من قلق الاقليات على مصيرها من جراء الثورات، سواء التي انجزت كما في تونس ومصر او تلك التي لم تصل بعد الى خواتيمها كما في ليبيا واليمن والبحرين وسوريا، خصوصا ان لبنان احتفظ بنسيجه الاجتماعي التعددي رغم حرب اهلية استمرت نحو 15 عاما (1975-1990).
فالانظمة المهددة تلوّح بفزاعة انتقال السلطة الى الاسلاميين المتشددين او السلفيين وما سيرافقها من تهجير للاقليات وانعدام للحريات والتعددية الحزبية والديموقراطية، وهي ابرز اهداف حركات التحرر من انظمة الحزب الواحد او الفرد التي حالت دون تداول السلطة لعقود من الزمن.
ففي سوريا، يحمّل النظام المسلحين السلفيين والمخربين العاملين في اطار مؤامرة خارجية، مسؤولية التظاهرات المستمرة منذ 15 آذار في مناطق متعددة رغم القمع الدموي.
وفي ليبيا زعم الرئيس معمر القذافي عبثا ان تنظيم "القاعدة" منتشر بين الثوار ليحول دون تدخل اجنبي لمساعدتهم. كما استخدم الرئيس علي بن عبد الله صالح الذريعة نفسها. فيما تم اللجوء الى مقولة الدعم الايراني للسيطرة على المطالبين باصلاحات في البحرين.
وسبق كل ذلك ما تعرض ويتعرض له المسيحيون في العراق منذ ان اسقط الاميركيون نظام صدام حسين وأدى الى هجرتهم بأعداد كبيرة.
لكن الانظمة المهددة تتناسى ان اغلبية الاسلاميين ابتعدوا عن اعتماد العنف لتحقيق اهدافهم ووافقوا على المشاركة في دولة مدنية كما في تونس ومصر مستلهمين تجربة الاسلام المعتدل التي نجحت في تركيا.
واضافة الى التهويل بالمتشددين الاسلاميين وتعظيم دورهم، تلوّح الانظمة المهددة باحتمالات حروب طائفية او مذهبية او قبلية او بالتقسيم للحفاظ على دعم الاقليات لها ولاستبعاد الادانة الدولية لقمعها التحركات السلمية بقوة السلاح.
اما في الشأن الداخلي، فمن المتوقع ان يحول الهدف الرئيسي للقمة الروحية دون التطرق الى المسائل الخلافية الاساسية مثل تعاون لبنان مع المحكمة الدولية او سلاح "حزب الله" خارج الشرعية، والاكتفاء بالدعوة الى الاسراع في تشكيل الحكومة خشية المخاطر الاجتماعية والاقتصادية ولحماية البلد من الانعكاسات السلبية لما يجري حوله.
لكن ورغم موجة التفاؤل الاخيرة بقرب انجاز الحكومة والايحاء بأن كلمة السر السورية قد وصلت، فلا تزال المؤشرات الظاهرة تدل على استمرار الخلاف بين قوى "8 آذار" وحلفائها من جهة وبين رئيس الجمهورية ميشال سليمان والرئيس المكلف نجيب ميقاتي ورئيس جبهة "النضال الوطني" وليد جنبلاط من جهة اخرى.
واعلن جنبلاط مؤخرا انه "لم يعد منطقيا استمراره في تغطية هذه الحال من المراوحة والفراغ والتعطيل ضمن ما يسمى بالاكثرية الجديدة التي اثبتت انها فشلت فشلا ذريعا في تأليف الحكومة" من دون ان يعني هذا التحذير اي تبدل في تحالفه مع "حزب الله" وسوريا.
لكن ما ان تسربت معلومات عن التوصل الى حل ما لعقدة وزارة الداخلية المتنازع عليها بين الرئيس سليمان والنائب ميشال عون مصدرها دمشق حتى اعلن عون ان هذه ليست العقدة الوحيدة.
وتصدرت عقدة وزارة الداخلية واجهة الخلاف منذ اعلان قوى 14 آذار عزوفها عن المشاركة، لأن الرئيس المكلف لم يتعهد لها باستمرار تعاون لبنان مع المحكمة وبالسعي الى وضع سلاح "حزب الله" تحت سلطة الدولة خلافا لما اشترطه الحزب لاختيار الرئيس المكلف.
واختلف الفرقاء على مصدر العصي في طريق الرئيس ميقاتي، اهو داخلي ناجم عن تقاسم الحصص بين اطراف الفريق الواحد وتراجع الثقة داخله، او خارجي يعود الى انتظار جلاء الاوضاع في المنطقة خصوصا في سوريا.
وحتى الآن يستمر الرئيس المكلف متمسكا بقيام حكومة منسجمة لا تستفز اي فريق، ويسعى الى ان تكون الوزارات الامنية في ايد حيادية تجنبا للكيدية.