قدم مفتي الجمهورية الشيخ محمد رشيد قباني ورقة عمل الى القمة الروحية التي عقدت في بكركي، هذا نصها:
اصحاب الغبطة والسماحة والسيادة الرؤساء الروحيون في لبنان،
ان لبنان الذي احتل مساحة مديدة من التاريخ، وعبر مخاض النشوء والولادة، وتجاوز المصاعب والعثرات، حتى خلص الى قيام كيان فريد ومتنوع وطنا نهائيا لجميع أبنائه، لبنان هذا، يستحق منا التضحيات، والجهود الكفيلة الحفاظ عليه وعلى ميثاقه الوطني، وثروته الثقافية والحضارية والإنسانية والإجتماعية والطبيعية، وكذلك الحفاظ على أبنائه ومؤسساته والحفاظ على استمراره ودوامه.
ومن هنا فإن الواجب يحتم على المرجعيات الروحية اللبنانية، وفي هذه الظروف الدقيقة التي يمر بها وطننا لبنان والمنطقة العربية، أن تنأى بنفسها عن الإصطفاف الداخلي والخارجي، وأن تؤلف في ما بينها جسما واحدا يسعى الى الارتقاء بالحال السياسية والشعبية المنقسمة على ذاتها، الى المساحة الوطنية الواحدة، والى الإنصهار الوطني الحقيقي.
ولا بد لنا من ترجمة المبادئ التي توافق عليها اللبنانيون، حول قواعد العيش المشترك عمليا، وتلك التي سيتضمنها البيان الختامي لهذه القمة، عبر القيام بنشاط وطني يتناسب ودقة المرحلة، للحفاظ على الإستقرار وديمومة الوحدة الوطنية، من خلال تثبيت جدول لانعقاد القمة الروحية اللبنانية بشكل دوري، وتشجيع اللقاءات الوطنية الجامعة، وتفعيل الدور الوطني للمرجعيات الروحية لجهة توحيد الصف الداخلي ونشر رسالة المحبة بين اللبنانيين، على مستوى القادة، وعلى مستوى القواعد الشعبية، وكذلك تفعيل دور هيئة الحوار الإسلامي – المسيحي عبر تحويلها الى مؤسسة وطنية فاعلة، تضطلع بإزالة الحواجز الطائفية، التي تحول دون التقاء اللبنانيين، حيث بات الحضور الدائم للمرجعيات الروحية ضرورة لازمة لطمأنة اللبنانيين، وتبديد مخاوفهم.
ان رياح الفتن والصراعات المذهبية والطائفية والإثنية، التي تعصف بمنطقتنا العربية، تشكل مصدرا للقلق البالغ على النسيج الوطني اللبناني، وعلى نسيج العالم العربي بالذات، لذا يجب علينا وعلى اللبنانيين جميعا، أن نحرص على عدم استيراد ثقافة الغرائز والفتن، بل الأولى بنا تصدير النموذج اللبناني، وثقافة العيش الواحد بين الأديان والطوائف، ليواجه به إخواننا العرب جميع أشكال الفتنة التي تتربص بهم وبأبنائهم وبأوطانهم، في حاضرهم ومستقبلهم.
ان اللبنانيين ليجمعون اليوم، أكثر من أي يوم مضى، على ان عدوهم الواحد والوحيد هو الكيان الصهيوني المغتصب لأرض فلسطين، ولمقدساتها الإسلامية والمسيحية، وهو المحتل للأرض العربية في فلسطين ولبنان وسوريا، حتى أصبح هذا الإجماع اقتناعا راسخا في نفوس اللبنانيين، ومبدأ يجتمعون عليه.
غير ان علينا نحن اللبنانيين، أن ننظر اليوم الى شؤوننا المرتبطة بالعالم الخارجي، والى علاقتنا بالمجتمع الدولي، وبأفرقائه بالعين اللبنانية الواحدة، انطلاقا من المصلحة اللبنانية الواحدة، التي تعلو على كل ما عداها، المصلحة الوطنية الواحدة، التي تصبو الى خير وطننا وأبنائه، والتي تحفظ علينا دولتنا اللبنانية وطنا واحدا نهائيا لجميع أبنائه.
انطلاقا من كل ما تقدم، وبناء على الواقع الذي نعيش تفاصيله اليومية من مواقعنا الوطنية، ومن دورنا في المحافظة على وطننا لبنان، وبناء على الواجب الذي نحمله تجاه رعيتنا، أتقدم من جانب هذه القمة الروحية المنعقدة في صبيحة هذا اليوم، في هذا الصرح الوطني في بكركي، وفي أول قمة روحية بعد تولي غبطة البطريرك بشارة الراعي سدة هذا الصرح البطريركي الوطني، أتقدم أليكم باقتراحين اثنين:
أولا – اقتراح تبني القمة لمبادرة روحية وطنية: لحل الخلافات السياسية الداخلية بين الأفرقاء اللبنانيين، والتي أدت مع مرور الزمن الى حال الإصطفاف والإنقسام، التي نشهدها اليوم ونعانيها، والتي تنعكس سلبا على واقع لبنان، وواقع اللبنانيين، وتتلخص هذه المبادرة بما يلي:
– في مسعى خاص جدا: يسمي أصحاب الغبطة والسماحة والسيادة، الرؤساء الروحيون، مجموعة من الرجالات الوطنية، التي لا يخلو وطننا لبنان منها، بحيث تشكل هذه المجموعة من الحكماء، المشهود لهم بالكفاءة والإعتدال، من غير الحزبيين أو السياسيين، وتكون هذه الهيئة هيئة مستقلة باسم الرؤساء الروحيين.
– تكون مهمة هذه الهيئة: حصر الإلتباسات والمعضلات والخلافات السياسية، لدى الأفرقاء السياسيين، وتفنيدها وتصنيفها، ثم العمل على تذليلها وحلها.
– تعمل هذه الهيئة: بشكل لا يتعارض مع الدولة ومؤسساتها، ولا تلغي أيا منها، ولا تحل محلها بأي شكل من الأشكال، بل تتعاون معها.
– العمل من الجميع: على تحييد النشاط السياسي اليومي ونشاط الدولة عن الخلافات، في ظل مسعى هذه الهيئة.
– تتمتع هذه الهيئة باستقلالية ذاتية، تخولها القيام بمهمتها، وتحظى برعاية أصحاب الغبطة والسماحة والسيادة الرؤساء الروحيين، وبالتالي لا تشكل بأي حال من الأحوال طرفا، بل هيئة وطنية لتجاوز الخلافات الداخلية.
ثانيا – أتقدم باقتراح تاريخي ومهم جدا سبق ان اقترحته في لقاء مع الأمانة العامة للقمة الروحية، أن تتبنى القمة الروحية اللبنانية المنعقدة اليوم في بكركي، مشروع توقيع عهد وميثاق بين المسلمين والمسيحيين في لبنان وفي بلداننا العربية، يوقعه رؤساؤها الروحيون المسلمون والمسيحيون في لبنان وبلاد العرب من جميع الطوائف، في مؤتمر روحي تاريخي يعقد في لبنان لهذه الغاية، بعد تشاور واسع مع بعهضهم البعض، وصوغ هذا العهد والميثاق صياغة تاريخية بمبادئ وقواعد لأمان الجميع، وتعاون الجميع للحاضر والمستقبل في بلداننا، وتحصينا لأوطاننا ولأبنائنا وأجيالنا من الأخطر الآتي والله أعلم، وفقكم الله لما فيه خير لبنان واللبنانيين، وخير العرب مسلمين ومسيحيين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.