اتخذت القمة الروحية المسيحية ـ الاسلامية الموسعة التي عقدت الخميس، في الصرح البطريركي الماروني في بكركي، بُعدين اساسيين من جملة أبعاد جعلتها بمثابة اختراق مهم للمشهد الوطني والسياسي العام في لبنان.
فإلى جانب كون هذه القمة هي الاولى في بكركي منذ انتخاب البطريرك الماروني الجديد مار بشاره بطرس الراعي، بدا مجرد انعقادها في التوقيت والمضمون حدثاً بارزاً على المستوى الداخلي ورسالة متقدمة على المستوى العربي والدولي.
وركزت اوساط معنية بالقمة الضوء على هذين البعدين، فقالت لـ"الراي" ان الاساس في فكرة انعقاد القمة كان اطلاق رسالة لبنانية عامة عبر رؤساء الطوائف المسيحية والاسلامية الى ان لبنان قادر وسط التحولات الضخمة الخطيرة التي تشهدها المنطقة العربية والثورات والاضطرابات على ان يقيم لنفسه "شبكة امان" ميثاقية تعيد الاعتبار بقوة الى العيش المشترك والالتقاء على جوامع مشتركة على رغم واقع التمزق السياسي الحاد الذي يعيشه والصراعات العمودية والطائفية والسياسية التي يعاني منها، وقد لمح الى ذلك البطريرك الراعي في كلمة الافتتاح التي بدت واقعية من حيث الاشارة الى "الخلل في وحدتنا الوطنية والانشطار الداخلي" لكنه قرن ذلك بابراز هدف القمة وهو "تأكيد الثوابت والاهداف الوطنية المشتركة لكي تأتي الخيارات السياسية متكاملة لا متناقضة".
واضافت الاوساط ان من ضمن هذا البعد تحديداً فان القمة اطلقت رسالة الى اللبنانيين بالدرجة الاولى مفادها ان لا مفر من حد ادنى من التماسك بين الاديان والطوائف والاحزاب والقوى فيما العالم العربي يشهد غلياناً غير مسبوق ويحمل اخطار تمزقات طائفية ومذهبية وموجات اصولية متطرفة. ناهيك عن ان انعقاد القمة في بكركي تحديداً يشكل رسالة مهمة جداً الى المسيحيين اللبنانيين والعرب حيال النموذج الذي يجب التمسك به في مواجهة الاخطار التي تتهددهم.
اما بالنسبة الى البعد الثاني فاشارت الاوساط نفسها الى انه يتصل بالواقع السياسي الداخلي اللبناني اذ لم تكن هناك اوهام في امان ان تجترح القمة الروحية اوضاعاً متغيرة وجذرية تنقل لبنان الى مناخ اكثر استقراراً، ولا كان مطلوباً منها ذلك. لكن مجرد انعقادها شكل تعويضاً ضمنياً عن حوار وطني مفقود ومنقطع ولا أفق لاحيائه في المرحلة المنظورة. وبذلك بدت القمة التي اكد بيانها الختامي الاحتكام الى المؤسسات الدستورية لمعالجة اي خلاف، مشدداً على سيادة لبنان واستقلاله وحقه في استرجاع اراضيه المحتلة بمثابة ضوابط من الجسم الديني الى الوسط السياسي لالتزام ما امكن من المواثيق والالتزامات الضمنية التي تمنع انزلاق البلاد الى اي متاهة خطيرة جديدة وسط المتغيرات الحاصلة خارجياً وانسداد افق الحوار داخلياً.