عندما صار الدستور وجهة نظر ولتفسيره خلفيات
الرئيس "حامل أختام" والرئيس المكلّف "منسّق"!
عندما كان للدستور وللقوانين حرمة واحترام وهيبة، كانت العودة اليها تحسم الخلافات، لذلك اشتهر عن الرئيس فؤاد شهاب قوله عند كل خلاف: "ماذا يقول الكتاب"، اي الدستور. وعندما كانت العودة الى الشعب في الانتخابات لإخراج البلاد من مأزق، كانت نتائجها هي التي تقرر حكم الاكثرية وكانت الحكومات تتألف منها ما دامت اكثرية. اما اليوم فلا الدستور محترم ولا العودة الى القوانين هي السبيل للحسم، لان الدستور اصبح عند بعض السياسيين وجهة نظر او نصوصا قابلة للتفسير وفق الاهواء والمصالح والا لما كان من حق احد ان يطرح سؤالا حول من المسؤول عن تأليف الحكومة وعن استمرار ازمة التأليف وكل طرف يلقي هذه المسؤولية على الطرف الآخر.
يقول رجل قانون عاصر عهودا عدة انه عندما كان رئيس الجمهورية يتمتع بصلاحية تعيين الوزراء وتسمية رئيس الحكومة من بينهم كان هو المسؤول عن التكليف والتأليف وعن الازمة الوزارية اذا استمرت. وعندما فقد هذه الصلاحية بموجب دستور الطائف، صار تأليف الحكومة مسؤولية مشتركة بين رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء المكلف والكتل النيابية. وهذه المسؤولية تبدأ بالرئيس المكلف الذي تقع عليه مسؤولية تأليف الحكومة بعد استمزاج آراء الكتل واستشارتها في شكلها وحجمها وفي الحقائب، وخصوصا الكتل التي تمثل القوى السياسية الاساسية في البلاد. وبعد ان ينتهي من ذلك يطرح التشكيلة الوزارية على رئيس الجمهورية، فإما تنال موافقته فتصدر مراسيم التأليف، وإما لا تحظى بموافقته لأسباب تعود اليه ويشرحها اذا شاء للرئيس المكلف، فإما ان يأخذ برأيه ويدخل تعديلات على التشكيلة الوزارية بحيث تصبح مقبولة منهما ومن الاكثرية النيابية، وإما لا يأخذ برأيه فيعتذر عن عدم التأليف مفسحا في المجال لتسمية سواه حتى وإن كان الدستور لا يحدد له مهلة زمنية للتأليف، لانه اذا ظل يحاول عبثا تأليف حكومة والبلاد تعاني الضرر من جراء اضاعة الوقت، اذذاك يصبح رئيس الوزراء المكلف هو المسؤول عن استمرار ازمة التأليف وعليه ان يشرح الاسباب ليس للنواب فحسب بل للرأي العام ايضا لمعرفة الحقيقة.
لقد نص الدستور على ان يتم تأليف الحكومة بالاتفاق بين رئيس الجمهورية والرئيس المكلف، وان عدم التوصل الى هذا الاتفاق يفرض على الاخير الاعتذار وإن لم يرد نص بذلك. فرئيس الجمهورية الذي فقد صلاحية تعيين الوزراء وتسمية رئيس من بينهم صار تعويض ذلك باعطائه حق الموافقة او عدم الموافقة على التشكيلة الوزارية عندما تعرض، وبات كما يصوّره بعض السياسيين مجرد حامل اختام وليس له سوى التوقيع على التشكيلة الوزارية التي تعرض عليه من دون اعتراض اذا كانت هذه التشكيلة ترضي الرئيس المكلف والاكثرية النيابية فقط. وينظر هؤلاء السياسيون الى رئيس الوزراء المكلف ايضا على انه مجرد منسق عام بينه وبين الكتل النيابية من جهة ورئيس الجمهورية من جهة اخرى عند تأليف الحكومة، اي ان ما تتفق عليه هذه الكتل ينبغي ان يأخذ به الرئيس المكلف والا سحبت ثقتها منه. والاتفاق الذي يتم بين الرئيس المكلف وهذه الكتل ينبغي ان يوافق عليه رئيس الجمهورية.
هذا هو تفسير بعض من في قوى 8 آذار للدستور وفق الاهواء والمصالح، وهو تفسير يناقض نصوص الدستور الصريحة والواضحة وهي لا تحتاج الى تفسير او اجتهاد وقد حددت صلاحيات رئيس الجمهورية وصلاحيات الرئيس المكلف بوضوح عند تأليف الحكومات وليس للكتل النيابية بموجب التفسير الخاطئ تسمية الوزراء والحقائب ولا دور للرئيس المكلف سوى دور ساعي البريد او المنسق بينها وبين رئيس الجمهورية، ولا دور لرئيس الجمهورية سوى "البصم"…
اما قول هؤلاء "الغيارى" على صلاحيات رئيس الجمهورية انه لا يحق له ان يكون له حصة في الوزارة لان ليس له كتلة نيابية مطلوب تمثيلها في الحكومة، فهو قول مرفوض لان كثيرا من الرؤساء لم يكن لهم كتلة نيابية، وكان مجرد موافقتهم على التشكيلة الوزارية يعني ان الحكومة كلها حصتهم. وهذه الموافقة تجعل رئيس الجمهورية مع الرئيس المكلف والاكثرية النيابية الممثلة فيها مسؤولة عن اعمالها.
ولا يمكن من جهة اخرى اعتبار رئيس الجمهورية مسؤولا عن استمرار الازمة الوزارية ومتهما بشل عمل الدولة ما دامت التشكيلة الوزارية الكاملة لم تعرض عليه كي يبدي رأيه فيها، انما كل ما عرض عليه حتى الآن مسودات تشكيلات غير مكتملة. ويحرص الرئيس المكلف من جهته على الا يعرض اي تشكيلة وزارية على رئيس الجمهورية الا بعد ان يحصل على موافقته المسبقة عليها من خلال استمزاج رأيه في الاسماء والحقائب كي لا يفاجأ برفضه اياها فيصبح الخلاف عندئذ بينه وبين رئيس الجمهورية وهو اخطر من خلافه مع الكتل النيابية اذ يصير عليه الاعتذار عن عدم متابعة التأليف وان لم يكن الدستور حدد له مهلة زمنية، بل يصبح ضميره هو الذي يحددها شعورا منه بالمسؤولية حيال الوطن والمواطن.
هذا هو منطوق الدستور وهو ما يجب العمل به، وليس بموجب اي تفسير خاطئ له خلفياته ويجعل رئيس الجمهورية مجرد حامل اختام والرئيس المكلف مجرد منسق عام بين الكتل من جهة وبينها وبين رئيس الجمهورية من جهة اخرى لان هذا معناه تطبيق الدستور بالمقلوب كما صار تطبيق النظام الديموقراطي بالمقلوب ايضا بحيث اصبحت الاقلية هي التي تحكم الاكثرية او تتحكم بها، وهي التي تفرض عليها خياراتها في الانتخابات الرئاسية وفي تشكيل الحكومات لا لشيء سوى انها تملك وحدها قوة السلاح وقوة القرار المذهبي الواحد. ومن دون موافقة هذه الاقلية لن يكون رئيس للجمهورية ميثاقيا ولا حكومة.