انتهى الأمر أو يكاد إذن، على ما يخبرنا به الإخوان الخلاّن في فريق الممانعة، وصرنا عند مشارف الترجمة الدستورية الأخيرة للانقلاب شبه المسلّح الذي أخذ لبنان باتجاه، فيما العالم كله يدور باتجاه آخر.
والأمر فعلاً أشبه بالعجيبة الثامنة: يشدّ الانقلابيون همتهم باتجاه حشر لبنان في زاوية ضيّقة.. ظهره الى حائط مُسنّن ووجهه في مقابل الشرعية الدولية وقراراتها وحساباتها وقراءاتها. عدا عن النتيجة الأكيدة المتممة لذلك البلاء والقائلة إن الانقلاب في أساسه فرط روابط إقليمية ودولية كبيرة ومؤثرة، ودفع بها الى أزمة صامتة قبل أن تنفجر علناً تبعاً لتطورات الوضع السوري.
الى أي حكومة يأخذون اللبنانيين؟ وإلى أي حلبة يأخذون لبنان! وفي أي زمن يعيشون؟ وكيف يمكن أن يسود المنطق الكسري في لعبة غير متكافئة؟ وكيف يمكن الافتراض عند بعض من يعنيهم الأمر أن ما يطرح من أشكال وألوان وسياسات للحكومة المطلوبة يمكن أن يمر بسهولة ويسر أمام المعنيين بأحوالنا وأحوال غيرنا؟ وكيف يمكن الافتراض عند ذلك البعض أن لبنان يمكنه تحمّل أوزار حشره في محور يعلن حرباً في كل اتجاه: من الخليج العربي الى المحيط التركي والأوروبي وصولاً الى الدولي؟ وكيف يمكن بعد ذلك الافتراض (ومرة أخرى عند بعض من يعنيهم الأمر) أن حكومة مواجهة في لبنان يمكن أن تقدم أي حلّ لأي مشكلة داخلية، اقتصادية أو اجتماعية أو خدماتية أو أمنية أو سياسية طالما أنها من عنوانها الى تفاصيل تفاصيلها مجهّزة لتلك المواجهة!
موهوم كبير، مغرور ومراهق سياسي، من افترض بداية أن الانقلاب في لبنان سهل بسهولة الحكي الخفيف والطيّار. وممكن كما هي ممكنة (؟) رشقات الاتهامات السافرة والمفترية التي اعتدناها في السياسة والإعلام على مدى السنوات الماضية.. وموهوم كبير ومغرور أكبر ومراهق في السياسة والجغرافيا والتاريخ، من يفترض اليوم أيضاً أن حكومة لبنانية عنوانها المواجهة يمكن أن تعيش طويلاً في بلد طحن دولاً وجيوشاً وإمبراطوريات عظمى ومسح بها الأرض، لأنها رعت أو غطّت أو حاولت مشروعاً متحدياً أحادياً لا يأخذ في حسبانه الوقائع، ويفترض أنه أقوى منها أو أنه مولّد مركزي لحيثياتها!
حكومة على البارد في محيط ملتهب؟ مخطئ بالمئة من يعتقد ذلك. ومن يظن أن معدة الكيان الوطني مستعدة لهضم وليمة مسمومة من أول صحن فيها الى آخر طنجرة.. ومخطئ بالألف من يفترض أن الكيان العربي أو الدولي مستعد للتفرج على خطف الجمهورية من جديد ووضعها في العبّ، ورقة من أوراق المساومات والتجارات الكبيرات، أو ساحة من ساحات المشروع المتسربل "بقضايا الأمة" فيما هو باحث باحش عن مصلحة ذاتية لا تطيق جملة لفظية يعتبرها تعدياً على قوميته!
.. يريد اللبنانيون حكومة، لكنهم يريدون لبنان قبلها. دولة غير فاشلة أو منبوذة أو موبوءة. أو مطلوب وضعها مجدداً في الكرنتينا.. يريدون حكومة وليس تجمعاً انقلابياً يقضي على ما تبقى من مقومات نظامهم وحرياتهم، ويطيح ما تبقى من آمال بقدرة على حل المشكلات التي يعانونها بدلاً من الإيغال فيها وزيادتها وجعلها مستعصية على أي علاج.
يريدون حكومة وليس كارثة إضافية. والله أعلم.