عندما حلّ الوزير شربل نحاس في وزارة الاتصالات مع حكومة الوحدة الوطنية المحوّلة قسراً إلى تقاعد برتبة تصريف أعمال، كان المطلوب من "العتيق" في معاندة الخصخصة منذ عهد الرئيس الشهيد رفيق الحريري، ان يواجه وزارة المال، قبل أن يقوم بأي تحرّك أو "إصلاح" موعود في وزارته.
فالوزير الآتي من ميول سياسية جعلته "مستشاراً" بالواسطة في عهد الرئيس السابق إميل لحود، يُقدم في مداخلاته وفي حديثه عن وزارته ما نسبته 10 بالمئة في ما يخص الاتصالات، والباقي يصرفه في الصراخ العالي للتغطية على محاولاته البائسة في تضليل الناس في حساب المطالعات الممنهجة حول السياسة المالية والدين العام، والدروس في إدارة الدولة لأموالها.
ولعلّ الدخول إلى مُعترك "التغيير والإصلاح" يتطلب كل هذه الخبرة في السياسة، والانتساب إلى "معاداة" الحريرية السياسية كما يسمّيها النائب ميشال عون، يستدعي شخصية متطرفة في مواقفها، متمرّسة في الظهور الاعلامي وكسب الرأي العام، وقادرة في الوقت نفسه على أن تستثمر "مشاريعها" وإنجازاتها" الوهمية لمصلحة المعركة الكبرى.. معركة الانتخابات النيابية التي تُطل برأسها منذ اليوم.
نحاس ذو الخلفية الهندسية التخطيطية، نجح حتى الآن في هندسة أهدافه. ولجم كل من عارضه من "التيار" الآتي هو من خارج أسواره. كل هذا لأن الجنرال راضٍ تماماً، والأداء كما كان متوقعاً، وأكثر من المطلوب.
العارفون بقطاع الاتصالات، يتحدثون اليوم في ما بينهم عن "مأساة" حقيقية، أعادت هذا القطاع سنوات إلى الوراء، ولا تغرّهم تجارب الـ "3g أي" "الجيل الثالث على الشبكة" في ما خص الإنترنت، لأن التجارب في البلدان المجاورة التي استخدمت هذه الخدمة لم تكن ناجحة ولم تتوخ المطلوب، فيما خدمة الاتصالات لا تزال على حالها المزرية التي خلّفها الوزير السابق جُبران باسيل حين دخل الانتخابات من بوابة "الخدمة الهاتفية". وجدير القول إن الوزير نحاس يحاول كسب الوقت لا أكثر ولا أقل، لأنه غير قادر على تحقيق أي خرق ملموس في عالم الاتصالات.
ليس هذا محور الحديث. قد ينجح الوزير في التسويق لمشروعه، ولكنّه بالتأكيد لن يُتوِّج نفسه بطلاً في عالم "التغيير" بالطريقة التي يُتقنها باسيل. فالأخير استطاع أن يقول للبنانيين إنّه خفّض تكلفة الخلوي، من دون أن يذكر أن عائدات الشركات تزايدت لأنه أضاف مئات آلاف الخطوط الجديدة إلى الشبكة، ما أدى إلى دمار شبه كامل بنوعية الاتصالات، يعاني اللبنانيون منه الأمرّين اليوم، فضلاً عن أن هذا المشروع، كان نتاج خطة بدأ بها الوزير مروان حمادة، نفذها جزئياً باسيل.
مغزى الحديث، أن هناك في لبنان نوعية تفكير تستخفّ بعقول الناس، وتعتبرهم أداة ترويجية فقط لا غير. المستهدَف (أي الناس) يستهويه دائماً ما هو ملموس من دون تفكير بالتبعات. المستهدِف (الوزير) يريد كسب ودّ الناس ولا يعنيه ما يُمكن أن تُثمر سياسته من تراجع بعد تراجع على شبكة "أكل منها الدهر وشرب".
حاول نحّاس جاهداً أن يقوم بأي شيء "تسويقي"، خدمة السرعة العالية في الانترنت على سبيل المثال كانت أحد الحلول والمقترحات. مدة ما يقارب السنتين لم تكن كافية لتحسين الانترنت، وتسريعه. لبنان اليوم وبفضل الوزير وإنجازاته هو في المرتبة الثالثة عالمياً من حيث سوء الانترنت. أرقام حقيقية تتحدث عن كلام وهمي، سماء الوزير تُمطر حلولاً، وسماء البلد ملبّدة بما يعيق "التغيير" الموعود.
في هذا السياق أيضاً، قدّم الوزير تحت عنوان "الأصدقاء والعائلة"، خدمة مميزة فعلاً. بإمكان المُشترك أن يختار رقمين يتصل بهما دائماً، ويحصل على تخفيضات على كلفة الاتصال، ولكن في الوقت نفسه "سيدفع" كل مُشترك مقابل الحصول على هذه الخدمة. بدعة جديدة تشارك فيها العقل المُفكر مع الإبداع اللامحدود، فأنتجت "اللاشيء". ليتبيّن أن "التكافل الاجتماعي" الذي تحدث عنه الوزير يُكلّف من يريد خوض غماره أكثر من التكلفة العادية للاتصال.
وفي الجانب التقني "الإنجازاتي" أيضاً، لابد من الإشارة إلى أن مشروع توسعة شبكة الألياف البصرية كانت وزارة الاتصالات جاهزة لطرحه قبل تسلم نحاس مهامه، وبالتالي عمله جاء مكملاً لعمل سابق، علماً أن المشروع بحاجة الى سنة ونصف السنة على الأقل لإنجازه. أما توسعة الكابل البحري للاتصالات الدولية فالوزير نحاس ليس له علاقة بهذا المشروع لا من قريب ولا من بعيد، المشروع بكامله تم إنجازه من قبل هيئة "أوجيرو" وخلال تولي الوزير حمادة مهامه في "الاتصالات".
في جلسة حكومية في ذلك العهد الذي كان اللبنانيون لا يزالون يشاهدون الوزراء على طاولة واحدة تجمعهم، حمل نحاس ملف "الشهود الزور" الذي اختفى اليوم من سوق السياسة، ليطالب بمعالجة فورية، وليغمز من قناة "خضوع الأكثرية السابقة لضغوط خارجية، قد تكون اسرائيلية". عيّنة ممّا يُخبئه وزير الاتصالات، اتهام بالعمالة على مسمع وزراء "وحدة وطنية". التذكير بالحادثة من قبيل "التنوير" لا أكثر ولا أقل، ولا سيما أن الوزير المُتهِم، أتى لخدمة اللبنانيين في "الاتصالات"، ولكشف العملاء المتجسسين، من أمثال لا تُشبه فايز كرم.
بالعودة إلى الاتصالات والانترنت والانجازات العظيمة، ليس على اللبنانيين سوى أن يجروا اتصالاً يستمتعون خلاله بسماع أغاني عبد الحليم وفضل شاكر وغيرهما ممن تُطرب لهم الأُذن.. و"الاتصالات" على وتر بليغ حمدي تغنّي: "مستنّياك".