تمرّ بهم فتخال الشوارع مشهدا مرسوما بأقلام طهران، وتستمع اليهم فتخال الكلام صدى متسللا من حناجر طهران، وتنظر اليهم فتخال المعالم قطعة مسلوخة من لون طهران.
ليس في شوارعهم مكان للبنان، وليس في حناجرهم نشيد من لبنان، كأنهم من أرض لا حدود لها ولا جذور ولا تاريخ، أو كأنهم من لغة لا عرب فيها ولا لكنة ولا أصولا، أو كأنهم من مشهد لا عراقة فيه ولا خصالا ولا تقاليد…
ليس في قراهم ما كان في الأمس بَيرقا ورمزا من لبنان، وليس في ديارهم ما كان في الأمس حجرا ورُكنا من لبنان، وليس في كتابهم ما كان في الأمس حرفا وحكاية من لبنان، كأنهم ولدوا في لبنان وعاشوا في طهران، أو كأنهم ماتوا في دمشق وتقمّصوا في لبنان.
نبحث عنهم في القرى والبلدات والمدن والضواحي، فلا نجد بشيرا ولا فخر الدين، ولا نقرأ جبران ولا نذكر عنجر والمالكية وحطين وصلاح الدين، ولا نجد شهداء من لبنان ونوادر من لبنان، ولا نجد أرزة أو سنديانة أو نخيلا، ولا نجد جبالا لغير الصواريخ، ولا بحرا لغير الألغام، ولا دروبا لغير الحرّاس، ولا سهولا لغير النواطير، ولا سطوحا لغير المناظير، ولا مداخل لغير القناطر والحواجز وأكوام الرمل والدواليب.
نبحث عن لبنان في شوارعهم فنخال طهران بيننا، ونخال دمشق بيننا، ونخال هذا حاكما وذاك واليا. ونبحث عن لبنان في حناجرهم فنخال طهران صوتنا، ونخال دمشق لساننا. ونبحث عن لبنان في ايديهم فنخال طهران كفّا، ونخال دمشق ساعدا. ونبحث عن لبنان هنا فلا نعرفه اذا وجدناه، ونبحث عنه هناك فلا يعرفنا اذا سألناه، ولا يلمسنا اذا دنونا منه أو غمرناه.
نبحث عن لبنان في شوارعهم فنظن طهران أهْلا لا فُرسا، ونظن دمشق بيتا لا جيرانا، ونظن أننا نجول في طهران من غير إذن أو تأشيرة، وأننا ندور في دمشق من غير هوية ومن غير دعوة. ونظن، من فرط ما رأينا، أن لبنان في كوكب آخر، ومن فرط ما لمسنا أن جلدنا من انسان آخر، ومن فرط ما هربنا أن خوفنا من عدو آخر.
نبحث عنه، فلا نجده في قصر أو مقر أو صورة أو لوحة أو لافتة أو تمثال، ولا نجده في خطاب أو حوار أو جدال أو صراخ أو كتاب، ولا نجده في كأس نبيذ أو في سلام وكلام، ولا نجده في عيش يكون فيه لبنان طليقا لا تسَوّره طهران ولا تديره دمشق ولا ترشده جموع وأحزاب وأهواء وأعراف وشرائع.
أمس مررت بهم، وما زلت الى اليوم أبحث عن… لبنان.