في لغة الأرقام،كانت ستكون الحكومة، لو كتبت لها الحياة، واقفة على حد السيف بين 8 آذار و"الوسطيين". الأكثر تداولا كان الآتي: 11 وزيرا لـ"تكتل التغيير والإصلاح"، 9 وزراء لـ"أمل" و"حزب الله" و"المعارضة السنية" والقومي والنائب نقولا فتوش، و11 وزيرا لـ"الكتلة الوسطية" أي رئيس الجمهورية والرئيس المكلف والنائب وليد جنبلاط، ما يعني ان هناك ثلثا معطلا لـ"الوسطيين"، يلبي طروحاتهم في الحد الأدنى.
الرئيس ميقاتي، بدعم "دستوري" من الرئيس سليمان وسياسي من جنبلاط، حاول في حرب المئة يوم التي خاضها منذ تكليفه، أن يتجنب حكومة اللون الواحد. لكنّ "حكومة الإنقاذ" انهارت وخرجت 14 آذار من الحلبة، و"حكومة التكنوقراط" يرفضها الشركاء في الغالبية، وكذلك "الحكومة التكنو – سياسية". فأين المفرّ؟ وهو اليوم أمام حكومة يحاول فيها منع طرف سياسي واحد من التفرد بها… وبه وبرئيس الجمهورية.
المحك هنا هو الآتي: بين الوزراء الـ11، هل سيكون هناك "عدنان السيد حسين" آخر؟ فالاسم الذي كان الأكثر تداولا للداخلية العميد المتقاعد مروان شربل، كما سواه ربما، أين سيكون في ساعة الحسم السياسي؟
ساعات قليلة قبل سقوط حكومة الرئيس الحريري، بضربة من الوزير السيد حسين، كان الرئيس سليمان يؤكد تماسك فريقه الوزاري. واليوم، ثمة مَن اصرّ في 8 آذار على "وديعة" جديدة في حكومة ميقاتي.
ليس الأمر صعب التحقيق، تجزم مصادر 8 آذار. "فما استطعنا انتزاعه من سعد الحريري، وهو على رأس الغالبية، أي الثلث المعطل ولو مموّها في حصة رئيس الجمهورية، لن يكون مستعصيا علينا بعد انقلاب الغالبية وسقوط حكومة الحريري".
المصادر لا يكفيها وجود جنبلاط في حصة الوسطيين، ولا احتمال أن تكون كتلته هي "المعطّلة" للثلث المعطّل. ففريق 8 آذار يريد "حجارة احتياط" في داخل كل مكونات الشريحة الوسطية، بحيث يشعر بالأمان كيفما تقلبت الظروف والمعادلات، سواء في بيروت أو في دمشق أو طهران.
هل يقبل رئيس الجمهورية والرئيس المكلّف ترك المجال مفتوحا لـ"وديعة" أو أكثر داخل "الثلث المعطّل" فتعطّله؟
لا يبدو الرجلان بصدد القبول، لأن لذلك مستتبعات عميقة في المستقبل. وستكون الحكومة العتيدة عندئذ حكومة اللون الواحد، وحكومة المواجهة للقرارات الدولية، وفي طليعتها المحكمة الدولية. ولم يُظهر سليمان وميقاتي أي مؤشر إلى التراجع في هذا المجال. ففي بعبدا حرصت على الدور التوافقي المرسوم في الدوحة، ورغبة في تعويم روح الاتفاق الذي تعرّض لنكسة في إسقاط الحكومة السابقة. وفي فردان التزام علني إزاء "الثوابت الإسلامية"، اضافة الى اكتمال الصورة الدولية التي تضع "ضوابط واضحة" للتأليف، وزيارة السفيرة الأميركية لفردان لها تعبيرها.
الإصرار على رفض الانزلاق إلى حكومة اللون الواحد هو الذي برّر تأخير التأليف إلى اليوم. وليس هناك ما يدفع رئيسي الجمهورية والحكومة إلى إصدار تشكيلة تخالف اقتناعاتهما. فلا الدستور يفرض مهلا في هذا المجال، ولا الجو السياسي وصل إلى حد الحزم… إلا إذا كانت "كلمة السر" السورية عادت تفعل فعلها، وإذا كانت فعلا تحمل "تمنيات" لا جدال فيها لتأليف حكومة ستواجه المجتمع الدولي بدعم مباشر من سوريا، وهذا غير مرجح.
لا تسمح الظروف السورية بـ"التمدد" السياسي إلى لبنان على الأرجح. وعلى رغم التحسن النسبي في وضعية النظام الداخلية، والكلام على حسم جولة أولى من المعركة مع معارضيه، فإن الضغوط الأميركية والأوروبية على هذا النظام تدفعه إلى الحذر والحد من الجبهات التي يفتحها في وجه المجتمع الدولي. والانفراج الكامل لوضع النظام، في حال بلوغه، هو وحده الذي يتيح له مجددا التطلع إلى "الخاصرة اللبنانية" في حزم أكبر. لكن ذلك ليس متاحا اليوم.
وإذا رفض رئيس الجمهورية والرئيس المكلّف السير في حكومة الثلث المعطل الوهمي، فستبدأ جولة جديدة من "الكباش" حول الحكومة، ويتأخر في التأليف أيضا. وسيجد فريق 14 آذار نفسه أمام دعم غير مباشر للفريق الوسطي، وهذا متوقع.
14 آذار والمصالح المتقاطعة
الصورة تبدلت في عيون 14 آذار. فبعد إسقاط حكومة الحريري، تصاعد غضب الشارع. وتلقى سليمان انتقادات لتأجيله جولة استشارات كان سيفشل فيها عمر كرامي في الوصول إلى السراي. ثم تعرّض ميقاتي لهجوم تحت عنوان قبوله بترؤس حكومة اللون الواحد، وهي حكومة موسومة بـ"حزب الله" خصوصا.
اليوم، أصبح الفريق الوسطي موضوعيا ضمانة لفريق 14 آذار في السلطة. وإذا ما نجح فريق 8 آذار في أن يلوي ذراع هذا الفريق الوسطي، ويقيم "حكومته" التي يتمتع فيها بالغلبة في الحصص ونوعية الحقائب، فإن ذلك سيؤدي إلى تسليم السلطتين التشريعية والتنفيذية، بما في ذلك موقع رئاسة الجمهورية، إلى "حزب الله" وحلفائه بالكامل.
لذلك، يقارب فريق 14 آذارهذا الملف من زاويتين: من جهة يشجع القوى الوسطية على التشبث بطروحاتها الرافضة لقيام حكومة اللون الواحد، وبذلك يوفر غطاء غير مباشر لها في معركتها مع "خصومها" ضمن الغالبية الجديدة. ومن جهة أخرى، هو يجد مصلحة في فشل "زواج المصلحة" المعقود بين 8 آذار والوسطيين، لأن ذلك من شأنه أن يحبط الخطة التصاعدية التي يقودها فريق 8 آذار منذ العام 2005 لإنهاء مفاعيل "ثورة الأرز"، وإعادة عقارب الساعة إلى الوراء.
هناك شكوك حقيقية لدى 14 آذار في توافق بين جناحي الغالبية الجديدة على تأليف حكومة "بالتفاهم"، لأن كلا منهما يمتلك رؤيته لهذه الحكومة وطبيعتها ودورها:
• "حزب الله" وحلفاؤه يعتبرونها الضربة الأخيرة لإسقاط مشروع 14 آذار. لذلك يريدونها مع "ثلثها المعطل" لهم، ولا يفرجون عن وزاراتها الحساسة، وأبرزها الداخلية والعدل والخارجية، فهي كلها على تماس مباشر بالمحكمة الدولية وسائر القرارات الدولية التي تشكل خطرا على هذا الفريق.
• الرئيس المكلّف صاحب نظرية "الوسطية" منذ العام 2005، وهو بنى صورته على تجربة "جمع الماء والنار" في ترؤسه حكومة الحلف الرباعي في ذروة انفجار الصراع بين 8 و14 آذار. ولا يمكنه إحراق هذه الصورة لأنه لن يجد تموضعا سياسيا مناسبا في أي من الاصطفافين.
• النائب وليد جنبلاط خرج من 14 آذار، وسلك طريقه نحو 8 آذار، لكنه لم يصل، وهو يتمهّل، وفي كل يوم ينظر وراءه ليتأكد من صوابية خطواته. وهو يرتاح إلى الوسط حتى انقشاع الرؤية.
فهل ستنجح هذه المتناقضات في ابتداع حكومة يرضى بها الجميع؟ وكيف يمكن ميقاتي أن يوجد الصيغة السحرية التي تجمع الماء والنار في حكومته، على غرار الصيغة التي جمعت 8 و14 آذار تحت قبّة واحدة في السراي والبرلمان؟ وفي عبارة أكثر وضوحا، كيف يُقنع 8 آذار بالتخلي عن طموحات الإمساك بكل مفاصل البلد، واحدا تلو آخر، بعدما عجز عن إيجاد سبيل لإشراك 14 آذار؟
وكيف الطريق إلى حصول الحكومة العتيدة على الثقة من الجميع: ثقة المجلس، وثقة سوريا والسعودية، وثقة المجتمع الدولي الذي ينظر وينتظر، وخصوصا في هذه الأيام؟ وبيان السفارة الأميركية في بيروت أمس، خير إثبات على ذلك. وجولة التفاؤل الأخيرة انتهت الى حيث سابقاتها، وستكون لها لواحق على الأرجح حتى نضوج اللحظة الإقليمية والدولية. فميقاتي هو رئيس حكومة التسوية التي لم تنضج بعد.