Site icon Lebanese Forces Official Website

فكرة الدولة معضلة “حزب الله”

لم يفاجئنا بيان المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى الصادر غداة القمة الروحية الناجحة في بكركي، والذي ابدى المجلس فيه تحفظا على ذكر البيان الختامي للقمة الروحية في بنده السادس "حق الدولة في تحرير اراضيها التي تحتلها اسرائيل …"، مطالبا باستبدال عبارة "الدولة" بعبارة "لبنان" انسجاما مع البدعة المتمثلة بالمثالثة بين الجيش والشعب والمقاومة.

لم يفاجئنا هذا التحفظ ونحن ندرك تماما موازين القوى الحالية داخل المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى حاليا، وقد "غيبت عنه" مبادئ سماحة الامام المغيب موسى الصدر وسماحة رئيس المجلس المغفور له الامام محمد مهدي شمس الدين.

ثمة طغيان لخط سياسي داخل البيت الشيعي الكريم والذي بات يؤثر على قرارات ومواقف الطائفة بصورة اضحت معها هذه الطائفة اسيرة معادلات تصل الى حد التحفظ على "الدولة اللبنانية" مع ان الدولة في كافة المفاهيم الدستورية والفقهية والشرعية هي في ان واحد ارض وشعب وسلطة…

وقد اكد اتفاق الطائف في مقدمته (الفقرة أ) أن "لبنان …واحد ارضا وشعبا ومؤسسات…" ما يعني ان لبنان دولة مستوفية بحكم الدستور اركان هيكليتها الدستورية والسياسية كدولة واحدة ذات ارض وشعب وسلطة ممثلة بالمؤسسات الدستورية. فلا نستطيع الكلام عن لبنان في المفهومين السياسي والدستوري من دون ان نعني حكما الارض والشعب والمؤسسات اي السلطة. فأي طرح اخر او نظرة اخرى الى مفهوم الدولة من اي فريق لبناني يعتبر اقله في المفهوم الدستوري والسياسي خروج عن منطق الدولة وعن منطق الطائف.

كذلك واذا عدنا الى مقدمة اتفاق الطائف (الذي بات دستور الجمهورية الحالي ) نجد ان الفقرة (د) منها تنص بوضوح على "… ان الشعب مصدر السلطات وصاحب السيادة يمارسها عبر المؤسسات الدستورية…"، ما يعني ان لا مصدر للسطات الا الشعب – كل الشعب – ولا سلطات الا التي تنبثق عن ارادة الشعب – كل الشعب – ولا تجسيد لارادة الشعب الا عبر السلطات الشرعية الدستورية – فلا يصح ابتكار او اختلاق سلطات رديفة لا تكون نتاج ارادة الشعب.

كما لا يجوز خلق سلطة من خارج المؤسسات الدستورية والا نصبح في حالة تناقض كاملة مع مفهوم النص الميثاقي والدستوري – فالشعب لا يمارس سيادته الا عبر مؤسسات الدولة ولا مؤسسات تمثل ارادة الشعب الا مؤسسات الدولة – وبالتالي فان فصل الشعب عن احدى ابرز مؤسساته الشرعية المتمثلة بالجيش بحد ذاته هرطقة دستورية لان الجيش تجسيد مادي لسلطة الدولة او سلطة المؤسسات الدستورية التي تأخذ على عاتقها التعبير عن سيادة الشعب – كما ان اضافة المقاومة كعنصر ثالث متميز عن الشعب والجيش (اي مؤسسات الدولة) يخرق الدستور واتفاق الطائف ويشكل هرطقة سياسية ودستورية لا تستقيم معها متطلبات انضواء الشعب ككل بكافة فئاته وتياراته السياسية تحت لواء الدولة والسلطات الدستورية الوحيدة الممثلة لارادة الشعب – فضلا عن المنحى الانفصالي الذي يتخذه تخصيص المقاومة كركيزة مستقلة عن الشعب والجيش – بدل ان تكون في صلبهما.

حتى البند السيادي في اتفاق الطائف، (ثالثا: تحرير لبنان من الاحتلال الاسرائيلي) يتكلم عن استعادة سلطة الدولة حتى الحدود المعترف بها دوليا عبر سلسلة خطوات …

فالتحفظ على عبارة "الدولة " يعني عمليا التحفظ على وجود تلك الدولة اي التحفظ على الطائف والدستور والفقه الدستوري والمبادىء الدستورية والسياسية والسيادية العامة التي تحصر بالدولة مفهوم السيادات الوطنية للشعوب – والخروج عن الاجماع الوطني الذي تجسد منذ الطائف والى يومنا وتكرس في صلب الدستور الحالي للجمهورية اللبنانية.

فالدولة معضلة فكرية وعقائدية لا بل "وجودية" كعداء لدى ابرز مكون سياسي حزبي شيعي حاليا ونعني به "حزب الله" … لان الدولة نقيض مشروع الحاق لبنان بمحاور اقليمية ما يتطلب استمرار استباحة الارض اللبنانية والسيادة اللبنانية تحت شعار مقاومة اسرائيل والممانعة الاقليمية – علما ان احدث المواقف الصادرة عن مقربين من النظام السوري منذ ايام قليلة فضحت حقيقة زيف هذه الشماعات والشعارات البالية بمجرد ان يكون "استقرار سوريا شرط لاستقرار اسرائيل بحيث ان لا استقرار للثانية ان لم يكن استقرارا للاولى "… فضلا عن العزلة السياسية والاقليمية الجيو – استراتيجية والدولية التي تشتد على الجمهورية الاسلامية الايرانية في ظل ازدياد ضعف الرئيس محمود احمد نجاد امام سلطة مرشده الاعلى علي الخامنئي… بعد خروجه مهزوما من صراعه الاخير مع الاخير.

فان كان لتحفظ المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى من دلائل ودروس، فهي جاءت للدلالة على مدى عمق وخطورة الازمة السياسية التي يعيشها "حزب الله" مع مشروع الدولة اللبنانية… لا بل مع مجرد وجود بوادر لدولة لبنانية…

فالحساسية السياسة والفكرية ضد الدولة فكرا مشروعا ونظاما وسيادة واستقلال لب معضلة "حزب الله" في تركيبتنا اللبنانية… هذه هي الحقيقة، ومن هنا يجب ان تبدأ المعالجات الجدية بعد اليوم …

Exit mobile version