#adsense

كسر أبواب السجن السوري الكبير

حجم الخط

حتى الخامس عشر من آذار 2011 كان الرئيس الراحل حافظ الاسد لا يزال يحكم سوريا من قبره. فالنظام الذي بناه على مدى عقود طويلة من الحكم الامني والقبضة الفولاذية استمر بعد وفاته مع ابنه الرئيس الاسد. ورغم تبدل بعض الاسماء البارزة او القديمة بأخرى شابة وجديدة، فإن طبيعة النظام بقيت قائمة من الناحية العملية، واضيفت اليها طبقة من رجال الاعمال أمثال رامي مخلوف وغيره من الذين زاوجوا بين السلطة والمال الى أبعد الحدود.

قبل الخامس عشر من آذار 2011 كان مضى على وراثة الاسد الابن رئاسة سوريا عن والده اكثر من أحد عشر عاما، ولم تتبدل طبيعة النظام في أساسها: فلا الحكم الامني البالغ القسوة تغير، ولا تراجع عدد الاجهزة او تغيرت طبيعة عملها لتخرج من حياة المواطن العادي. استمر حكم السوريين بالخوف، وبتمنين الناس بـ"إيجابية" الاستقرار المجتزأة و الخارجة عن سياق حياة وطنية طبيعية. لم ترفع حالة الطوارئ، ولم تجر تعديلات حقيقية على الصعيد الدستوري لتعديل بنود عفا عليها الزمن وتعود الى حقبة الستالينية مثل المادة الثامنة التي تنص على ان حزب البعث هو الحزب القائد للدولة والمجتمع. والحال ان الرئيس الاسد اكتفى بأخذ الجانب الفولكلوري والاعمالي من الحداثة التي أراد أن يعكسها من خلال صغره في السن، بحيث انه قدم نفسه رئيسا شابا وترك قضية الاصلاح التي تحدث فيها مرارا على مدى العقد الماضي مجرد كلام، ووصل به الامر في مطلع السنة الحالية وفي معرض مقابلة شهيرة في الـ"وول ستريت جورنال" الاميركية ان اعتبر ان بلاده تمثل استثناء ولن تبلغها رياح الثورات العربية، وان الاصلاح يحتاج الى أجيال ليتحقق. والحق ان الاسد الابن قال هذا الكلام ويقينه ان الامن أقوى من رياح الثورات العربية، وأن حاجز الخوف لا يمكن اسقاطه. ولكن الامور تبدلت بدءا من الخامس عشر من آذار.

واليوم مضت ثمانية أسابيع متتالية على بدء حركة الاحتجاجات، وقد تحولت الى ما يشبه الانتفاضة الشعبية السلمية، بل انها بدأت تتخذ معالم الثورة على النظام. فالقمع وقتل المئات في كل المدن والقرى، والاعتقالات الجماعية التي تذكرنا بحقبات الاسد الاب في الثمانينات لم توهن عزائم السوريين، و لم تضعف الحالة الاحتجاجية. ولو ان الحرية أعطيت للناس كي يتظاهروا لنزل الملايين.

حتى 15 آذار كان حافظ الاسد لا يزال يحكم سوريا من قبره. و منذ ذلك اليوم والسوريون يقومون بأداء مراسم الدفن النهائية كي يستريح الأب حيث هو، ويستريح السوريون من مرحلة يقلبون صفحتها مرة أخيرة. فالعودة الى الوراء مستحيلة. وبشار الاسد، الذي اختار نهج أبيه في التعامل مع أبناء شعبه، يسير بخطى ثابتة نحو بوابة الخروج المؤلم من السلطة، وسوف تكسر أبواب السجن السوري الكبير بالحكمة والصبر والتصميم، مع بشار الاسد أو بدونه.

المصدر:
النهار

خبر عاجل