قبل تنفيذ حكم الاعدام على انطون سعادة، ابلغ سعادة القاضي انه يملك قطعة أرض في ضهور الشوير، و400 ليرة لبنانية فقط لا غير، "أطلب توزيعها بالتساوي، على زوجتي وبناتي الثلاث" ومن ثمّ… سيق الى الاعدام.
تحتوي هذه الرواية على فرادة وقيم نادرة، في زمن لم يعد فيه للقيم هذا الترف في التقدم على شبق المال والسلطة، حيث أصبح الحاكم، من الذين يجمعون المال ويحصدون الكتّاب والشعراء الى البلاط، ويحيطون انفسهم بالمتملقين و"فاركي" الايدي المتعرّقة، ليكون ما يكون من انتقالٍ لمفاهيم القائد الضحية على مذبح قضية، الى مفهوم الشعب الضحية على انغام أغنيّة نيرونية، تُـمتّع ما يسمّى عنوةً، "قائد".
عندما طرح فريديريك راتزل نظرية "التضخم السيادي" للدولة، والذي يتمدد بفعل الانتفاخ والشبع فالحاجة الى التوسّع، لم يكن راتزل يفقه لضرورة اضافة عامل آخر على نظريته، وهو التوقف عند جموح الشعوب نحو الحرية.
ألمفارقة ان هذا الشباب العربي الثائر، قد يصطدم من جديد بإرث قديم جديد، سوف يَدخل اليه باسم التوازن مع القائم، ويُدخل عليه مجموعة تعديلات يفرضها الامر الواقع، الذي اوقع من قبله ثورة الارز في لبنان، لمجرّد ان ضيق الصدر لدى المجتمع المدني، استعجل سعة المصالح لدى شخصيات سياسية متناقضة، فكان الجواب، اعاقة ثورة على أبواب بداياتها.
وفي شرق لا ينفك قادته يمتصون ثرواته الهائلة، ولا تتوقف شعوبه عن العواء جوعاً ومرضاً، لا يمكن الا ان نتوقف عند ظاهرة الاربعماية ليرة لبنانية، إرث احد الزعماء المشرقيين، عسى ان تكون مثلاً لشبان اليوم الثائرين، والعابرين ضفاف المشرق من دجلة الى اليرموك، الى ساحل أغوستين في ليبيا، وصولاً الى مغاور قرطاجة؛ ثورات متكاملة، اهملت التناقضات الاتنية لصالح التواصل الاجتماعي، واغفلت عن القائد الاوحد للثورة، لصالح الحركة القيادية والعمل المشترك.
ثورات العرب، اسقطت اللغة الخشبية، واسقطت معها المثلث التركي-الاسرائيلي- الايراني، الموعود ان يتحكم بقلب العالم المشرقي، وجعلت من الذين لم يتعلموا في جامعة او رذلتهم مدرسة لضيق حالهم، يلتهمون الطاقة الالكترونية، ويستولون على مكنوناتها التواصلية، ليُدخلوا عالمهم عصر نهضة، وثورة، وموتٍ ربما… وحياة!
الاكيد ان اصحاب "الاربعمئات" هؤلاء، سوف يعود مجدهم، وسوف يزهر ربيعهم، على شفير العبور العربي الكبير من ضفة الى أخرى، بكل ما يحمل من عثرات وما قد يحمل من كبوات؛
لم يعد للحاكم، أي حاكم في هذا الشرق، ترف التحكّم في السلطة، لأن الحلقة المفرغة صارت أعصى على الكسر، إلا بإعلان إصلاحات جدية حقيقية ديموقراطية، إصلاحات معلنة وغير موعودة، تستطيع ان تكسر حلقة [الميم-ميم-ميم-ميم]، أي موت ومسيرة، ومعبد ومسيرات، التي تتأبط الوقت البطيء، وتزحف الى القصور.
هذه الحلقة الممتدة من الموت الى مسيرة الموت، ومن المسجد الى مسيرات الصلاة، هي الخطر وهي القدر، وكسرها ليس وعوداً، بل خيار… فقرار!