إذا كان استقرار إسرائيل من استقرار سوريا، حسبما قال احد اركان النظام السوري لصحيفة اميركية، فإن واجب حزب الله اصبح يملي عليه، حسبما دوّن أحد الإعلاميين اللبنانيين على صفحة الفايسبوك (ساخرا)، هَزّ الاستقرار في سوريا، عسى ان يؤدي ذلك إلى ضرب استقرار اسرائيل.
وهذا الموقف غير المستغرب الذي صدر عن النظام في سوريا لا يعتبر الا الترجمة العملية لاستراتيجية الاسد الأب التي أرَست على جانبي الجولان المحتل معادلة اللاحرب واللاسلم، فكان استقرار جليدي منذ العام 1973 تم على أثره اتفاق غير معلن سُمي في ما بعد باتفاق الخطوط الحمر دخلت سوريا – الاسد بموجبه الى لبنان حتى خط الأولي ونقلت ما تيَسّر من استراتيجية القتال بالواسطة مع "العدو الصهيوني"، تارة عبر المنظمات الفلسطينية المناهضة لأبو عمار، ولاحقا بعد الثورة الاسلامية في ايران عبر الحزب الوليد للثورة، ودائما على ارض الجنوب ارض المواجهة الوحيدة بالنيابة عن الجبهات التي أقفلتها معادلة اللاحرب واللاسلم.
ولقد اعتمد القتال بالواسطة، او المناوشة بالواسطة، منذ العام 1973 بنجاح منقطع النظير، إذ تبيّن ان هذا القتال حقّق للنظام السوري أغلى هدف يسعى اليه وهو الاستقرار، هذا الاستقرار الذي لم يهتز ولو للحظة واحدة خلال احتدام القتال في الجبهات البديلة، ففي العام 1978 لم يهتز على رغم ان اسرائيل اجتاحت لبنان حتى حدود الليطاني، وفي الفترة الممتدة من ذلك التاريخ حتى 1982 لم يهتز على رغم الضربات القاسية التي كان يوجهها الطيران الاسرائيلي لأهداف لبنانية وفلسطينية، وفي العام 1982 اهتز قليلا وبقي صامدا على رغم تقابل الجيشين السوري والاسرائيلي وجها لوجه في سهل البقاع، ومنذ العام 1982 الى العام 2000 لم يهتز على رغم تنفيذ اسرائيل حربين مدمرتين على لبنان في العام 1993 و1996، وفي العام 2006 لم يهتز ايضا على رغم شراسة الهجوم الاسرائيلي الذي سمي بالحرب السادسة.
ولم يقتصر الأمر في صلابة هذا الاستقرار على ارض الجبهة البديلة، فالاستقرار نفسه لم يهتز بعد قصف الطائرات الاسرائيلية لموقع الرادار السوري في ضهر البيدر، كما انه لم يتأثر بقصف الطيران الاسرائيلي لموقع عين الصاحب في العمق السوري، ولم يتحرك عندما قصف الطيران الاسرائيلي موقع دير الزور، ولم يكترث حين قصفت الطائرات الاميركية قرب "البوكمال" هدفا كان يتحرّك فيه احد قادة القاعدة لتنفيذ العمليات الانتحارية في العراق.
اليوم اهتز استقرار النظام بقوة الاحتجاجات الشعبية، فماذا بعد هذا الاهتزاز، وهل ينجح النظام بترجمة نظرية الأواني المستطرقة، في نقل الاهتزاز من الواقع الداخلي الى المحيط الذي طالما تباهى النظام، بانه يملك فيه اوراقا قوية يؤدي لتحريكها الى نقل المعركة الى ميادين جديدة ويُملي على القادرين على الضغط على النظام الجلوس على طاولة التفاوض تحت طائلة تفجير الاستقرار في كل من لبنان وفلسطين والعراق، "وليس بالضرورة عبر الحرب المباشرة" بين سوريا وإسرائيل كما قال ركن النظام إيّاه في حديثه للصحيفة الاميركية؟
لعلّ التظاهرات المطالبة برحيل الاميركيين عن العراق، والاتهامات المبرمجة لفريق 14 اذار بتحريك الاحتجاجات، والضغط على حماس (الذي لم ينجح) لعدم توقيع المصالحة الفلسطينية، لعلّ كل ذلك أعطى مؤشرات على قدرة لدى النظام في سوريا في ابداء المحاولة بتحريك الافكار الخلاقة لمقايضة اميركا واوروبا استقرار النظام باستقرار محيطه، لكن هذه المقايضة اظهرت الى الآن انها لم تعد بنفس الفاعلية التي كانت لها في الماضي، لأن عنصرا جديدا دخل في المعادلة وهو الربيع الدمشقي الذي لا يبدو ان مفتاح تحريكه في يد العرب او اوروبا او اميركا (أسوة بالربيعين المصري والتونسي)، ويبدو ان المقايضات القديمة على شاكلة استقرار اسرائيل من استقرار سوريا، و"امن لبنان من امن سوريا"، والتسوية في المنطقة بضوء اخضر سوري، و"الانسحاب الاميركي الآمن من العراق بمباركة سوريا"، قد اصبحت خارج الواقع العملي، اذ ثبت من خلال الثورات العربية المتتالية ان النظام الرسمي العربي، (وليس فقط النظام في سوريا)، لم يعد قادرا على استثمار علاقاته غير المتكافئة مع النظام العالمي، للاستمرار في إحكام القبضة على شعوب تنبئ مشاهد ثورتها في الشارع أنها كسرت حدود الخوف.