كتبت ريتا صفير في "النهار": فتحت خلوة المؤتمر العام لحزب "القوات اللبنانية" ابوابها امس للإعلام. لـ40 دقيقة، تسللت الكاميرات والاقلام الى إحدى قاعات معراب. هناك، في طبقة ارضية احاطت الصخور احدى واجهاتها الزجاجية، التأم نحو 100 عضو بينهم رئيس الحزب سمير جعجع لمواصلة مناقشة النظام الداخلي. على جدران زيتية كستها اعلام الحزب ولبنان، شعاران اختزلا التوجهات الجديدة: " حزب ديموقراطي رائد في لبنان والمنطقة"، و…"انسان، غد، حرية".
ربما هي المرة الاولى التي يظهر فيها رئيس الحزب بمظهر مدير جلسة. كانت تنقصه المطرقة. خلف نظارات سوداء قاتمة راح يتلو البنود المعروضة للنقاش والتعديلات المقترحة، قبل ان يفصل بين "المتخاصمين"، في الرأي طبعا. مادتان شكلتا "بوصلة" المواجهات الكلامية . المادة 74 ، والتي تناولت طريقة الانتساب الى الحزب والتصويت، وسط احتمالات عدة في هذا الشأن، منها ان يحصل الانتساب وفقا للقطاع الذي يعمل فيه المحازب، او مسقط رأسه. فيما ركزت المادة 76 على آلية وضع قواعد عامة لاجتماعات الحزب بحسب نوعها. وبين هذه وتلك، سلسلة رسائل سعى الحزب الى ايصالها، وتولى بلورتها نائب رئيس الحزب النائب جورج عدوان.
أولاها ان "القوات" تعد نظاما قابلا للتطبيق. فالمعيار، كما قال مرارا، ليس فقط حداثة التشريعات بقدر ما يتمثل في القدرة على التزام تطبيقها. وفي معرض تعداده لامثلة حية في هذا الشأن، أبرز أهمية انتخاب رئيس المركز كل سنتين، وانتخاب الرئيس ونائبه كل 4 سنوات من القاعدة، وكذلك اعضاء الهيئة التنفيذية، عازياً "الدقة المتناهية" في الإعداد الى التطلع الى حزب يخضع للرقابة ويؤمن بأسس تداول السلطة.
ثانية هذه الرسائل بدت في سعي الحزب الى التمثل بالانظمة الحديثة المتبعة في الاحزاب المتطورة، وسط ترجيحات بأن يباشر انتخاباته بين الشهرين الأول والثالث من السنة المقبلة. ويتوقع ان يسبق الخطوة فتح باب الانتساب، بعد اقرار الهيئة العامة للنظام الجديد وتعديلاته، علما ان نسخة من هذا النظام ستودع وزارة الداخلية.
ثالثتها، وبالتزامن مع الحلة القانونية ، يبرز حرص الحزب على اضفاء بعد جديد على توجهاته من خلال تركيزه على شعاري "انسان، غد، حرية" والريادة الديموقراطية في لبنان والمنطقة. وفي موازاة التحولات التي تشهدها المنطقة مع الانتقال المتواصل من حكم الاشخاص والديكتاتوريات الى مشاركة الناس بالاعداد والادارة، يعد عدوان بأن تراعي "القوات" هذه القواعد، مشددا على اهمية ان يشعر الانسان في الحزب والوطن بانسانيته هذه. وفي بلورة لهذه المقاربة يقول: "الانسان بلا حرية يفقد انسانيته كما ان لا قيمة لانسان وعمل قيادي سياسي دون رؤية. مشكلتنا ان معظم الطبقة السياسية تغرق في مشكلات الماضي".
يتوقع القواتيون ان تنعكس ارتدادات النظام القواتي الجديد على بقية الاحزاب التي ستبدو في اعتقادهم مرغمة على سلوك التوجه نفسه على مستوى الممارسة، اقله للحفاظ على مواقعها. كما ان لبنان سينال قسطا من هذا النجاح، وسط احتمال ان ينقل عدوى التجربة الى انحاء اخرى.
أما مسألة اجتذاب مناصرين من خارج اطار الطائفة التي يدور الحزب في فلكها، فتبقى في رأيهم رهن التفاصيل التي لم يخض فيها الحزب، ولو انهم يعترفون بأن المناخ لا يبدو مهيأ لها اليوم. ويعلق عدوان: "نريد حزبا لكل لبنان ولكل اللبنانيين. واذا كنت صادقا، اقول ان الوقت الفعلي لذلك ربما لم يحن بعد. ففي ظل الاصطفافات المذهبية، من السابق لاوانه ان نضع تفاصيل دقيقة في هذا الشأن ونراعيها. "
يتحدث عدوان عن ثلاث مراحل اساسية طبعت تاريخ الحزب: "قوات" ما قبل التسعينات غير القوات في الفترة الفاصلة بين 1990 و2005، كما اننا دخلنا بعد الـ 2005 حقبة جديدة، حقبة العمل السياسي بكل ما للكلمة من معنى. منذ قرابة 4 اعوام و"نحن نتعرض لحملات تتناول السلاح والامن. اسقطناها بالممارسة. واليوم ايضا، سنكرس الديموقراطية التي ننشدها عبر هذا النظام بالممارسة. لكل مرحلة مقتضياتها."
عملياً، وضع الحزب مجموعة اهداف لعمله المستقبلي. في مقدمها، السير نحو الدولة. وفيما يعد عدوان بتقويم كل عمل انطلاقا من خدمته اهداف هذه المسيرة، يكرر ان "المدخل الكبير في نظرنا قيام الدولة. هذه أولويتنا." ويبقى ان الأطر الجديدة التي يدرج الحزب نفسه فيها لا تعكس، في رأي قيادييه، "قطيعة" بين قوات الامس واليوم. ويوضح عدوان: "دافعنا عن مجموعة مبادئ منذ 1975 وما زلنا، مجملها يتجسد في قيام الدولة. نمثل مسارا تاريخيا عمره 1500 عام". ويختم: "يجب ان نجد في كل مرحلة الطريق والشعارات والسبل الأفضل لتحقيق ما نصبو اليه".