كتبت صحيفة "الراي" الكويتية: غالباً ما يجعل "التجاور" بين لبنان وسورية، في الجغرافيا والتكوين الاجتماعي والتجربة السياسية، صيغة الحكم في البلدين تحت المجهر من بوابة المقارنة واظهار حسنات هذه الصيغة وعدالتها ومساوئ تلك الصيغة وهشاشتها. واذا كانت الصيغة اللبنانية القائمة على التعددية عاشت اختبارات متتالية وأثبتت حيويتها، فان التجربة السورية التي حكمها العسكر وحزبه الشمولي بدت الآن على المحك مع الصيحات الداعية الى فتح النوافذ للحريات العامة والخاصة. وبين التجربتين، يقف التاريخ شاهداً عبر واحدة من الوثائق البالغة الاهمية التي تسنى لـ «الراي» الحصول عليها، والمؤرخة في 13 اغسطس من العام 1936 وتشتمل على مراسلة مرفقة ببيان من حكومة اللاذقية، ذات الغالبية العلوية وجّهها رئيس المجلس التمثيلي ابراهيم الكنج الى الرئيس اللبناني آنذاك اميل اده.
قراءة هذه الوثيقة التاريخية بـ"عيون الحاضر" تعزز الاقتناع بأن الصيغة اللبنانية ليست هشة، كما يحلو للبعض الترويج للطعن في كيانية لبنان وسيادته وقلّة مناعته تجاه الخارج، وتولّد انطباعاً مبكراً عن فشل الفكر "البعثي" في اقامة سورية الحديثة والصلبة. والأكثر اثارة للانتباه في مضمون تلك الوثيقة هو كشفها قبل 75 عاماً لمشكلات لم تتجاوزها سورية، بل ما زالت تشكل ما يشبه "الصندوق الأسود" لتجربتها الحالية وسلوك نظامها وخطابه الرسمي. وللدلالة على هذه القراءة تنشر "الراي" الوثيقة بحرفيتها، وهي عبارة عن رسالة مرفقة ببيان عن "الحالة السياسية في حكومة اللاذقية" وموقّعة من اثني عشر عضواً من السبعة عشر عضواً الذين كانوا يؤلفون المجلس التمثيلي آنذاك ومن وجوه من العلويين والمسيحيين والاسماعيليين في هذه المنطقة. وفي ما يأتي نص الوثيقة:
"من رئيس المجلس التمثيلي الى فخامة رئيس الجمهورية اللبنانية المعظّم ان وفداً مؤلفاً من ممثلي العناصر العلوية والمسيحية والاسماعيلية بأكثريتها الساحقة في حكومة اللاذقية تَشرّف أخيراً بالمثول امام فخامتكم وعرَض عليها تمسك هذه المنطقة باستقلالها التام تحت ضمانة فرنسا ومعاضدتها وعدم رضاها بوجه من الوجوه بالحاقها بسورية. واذا كان الاستقلال المنشود لا يمكن الحصول عليه لاعتبارات دولية، فمشروع اتحاد هذه الحكومة مع الجمهورية اللبنانية على شروط يصير تحديدها.
وقد التمس الوفد المذكور حينئذ معاضدة فخامتكم لما لشخصيتها السامية من النفوذ والتأثير ولعنايتها بكل ما يؤول الى المصلحة العامة وعلى الأخص الى الأقليات. وبختام المقابلة، وعد بوضع بيان مفصل بالموضوع الذي جرى البحث فيه، وها هو يرفع الى فخامتكم موقّعاً من اثني عشر عضواً من السبعة عشر عضواً الذين يؤلفون المجلس التمثيلي ومن وجوه العلويين والمسيحيين والاسماعيليين في هذه المنطقة.
وقد ارسلنا صورة عن هذا البيان الى غبطة البطريرك (الماروني) انطون عريضة. راجياً شمول هذا البيان بعطفكم وعنايتكم لا سيما وهو يعود بالمنفعة المشتركة على البلدين وتفضلوا يا صاحب الفخامة بقبول اسمى تأكيدات الاحترام".
بيان عن الحالة السياسية في حكومة اللاذقية يتبيّن من قيود النفوس بتاريخ آخر كانون الاول 1935 ان عدد سكان حكومة اللاذقية يبلغ 350000 نسمة مقسمة كما يأتي:
224000 علوي، 64000 مسلم سني، 56000 مسيحي من جميع الطوائف بما فيه 43000 روم ارثوذكس و6500 ماروني، 6000 اسماعيلي.
ان العناصر العلوية والمسيحية والاسماعيلية بأكثريتها الساحقة ما زالت متمسكة اشد التمسك باستقلال منطقتها تحت ضمانة فرنسا ومعاضدتها وهي لا ترضى ولا تسلّم بوجه من الوجوه بالحاقها بسورية. ان سورية في نظرها محيط مناوئ لها من الوجهة الدينية ولم تربطها يوماً بدمشق او بحلب سواء في الحاضر او في الماضي رابطة سياسية او ادارية فضلاً عن ان العلاقات الاقتصادية بين البلدين تكاد تكون معدومة.
ان العناصر المعارضة اي المكتسبة الى فكرة الوحدة السورية تتألف من الطائفة الاسلامية السنية برمّتها ومن قسم قليل من العلويين ومن بعض افراد قليلين جداً من المسيحيين، ومهما بولغ في تقدير عددها فانها لا تتجاوز ربع سكان هذه المنطقة اي نحو 85000 من350000 ، وكذلك المجلس التمثيلي الذي يتألف من 17 عضواً مقسم تقريباً على هذه النسبة اي 12 عضواً من طلاب الاستقلال وخمسة من دعاة الوحدة منهم ثلاثة سنيين وعلويان اثنان، ولولا بعض اعتبارات ناشئة عن تحزبات انتخابية لما وجد احد من العلويين يطلب الوحدة. فاذا اصطدم استقلال حكومة اللاذقية من الوجهة الدولية بحيلولة مطلقة تجعل تحقيقه مستحيلاً استحالة مطلقة – الامر الذي لا نعتقده – رغم الارادة الصريحة التي لم تكف اهاليها عن اعلانها والمجاهرة بها، فالرأي العام يكشف منذ الآن عن رغبته وُيظهر ارادته بالانضمام الى الجمهورية اللبنانية بدلاً من الالتحاق بدمشق ولو اقترن هذا الالتحاق بضمانات استقلال محلي.
ان الاسباب والبراهين التي تدعم طلبنا هذا وتدفعنا اليه يمكن ان يتلخص بعضها بما يأتي:
1 – ان المناطق التي كانت في العهد العثماني تشكل حكومة اللاذقية الحاضرة هي سنجق اللاذقية وقسم من سنجق طرابلس وكلاهما كانا تابعين لولاية بيروت وكانت آنذاك مدينة بيروت (عاصمة لبنان الآن) مرجعهما السياسي والاداري الوحيد.
2 – ان بلاد العلويين بمركزها الجغرافي تتمة طبيعية للبنان، فالساحل العلوي متصل اتصالاً طبيعياً به وكذلك السلسلة الجبلية تمتد بتتابع متسلسلة لتشعرك انها واحدة في البلدين. وهذه الوحدة الجغرافية الطبيعية اوجدت بينهما – رغم كون الشعب العلوي اقل ثقافة من الشعب اللبناني وحدة في الاخلاق والعادات والتقاليد الى اعظم حد، وقد زاد هذه الوحدة قيمة ارتباط البلدين بادارة واحدة في العهد العثماني.
3 – ان هذه المنطقة هي في هذا اليوم كما كانت قبلاً مرتبطة بلبنان ارتباطاً وثيقاً جداً. فتجارياً تكاد تكون مدينتا طرابلس وبيروت سوقنا التجاري الوحيد الذي يتعامل معه تجارنا ونستبضع منه كل حاجات بلادنا، كما ان مدينة بيروت مركز ثقافتنا العام التي تنهل شباننا وأولادنا من مدارسه وكلياته وجامعاته العلوم العصرية والثقافة الغربية، والى مستشفيات هذه البلدة تهرع مرضانا للمعالجة واسترداد العافية، وفي جبال لبنان ينتشر مصطافونا للاستفادة من هوائها النقي ومن مناظرها الخلابة، والقسم الأعظم من محاصيلنا يرسل الى اراضي تلك الجمهورية ويباع فيها. فاذا تم الحاقنا بسورية ضعفت تلك الروابط حتى يؤول بها الامر الى التلاشي، وبذلك يحرم لبنان من 350000 من الزبائن الذين كانوا لا يتعاملون الا معه في كل الشؤون الآنفة الذكر والذي كان يرجى ان تتسع هذه العلاقات بينهم وبينه اعظم اتساع.
4 – ان التشريع النافذ حالياً في حكومة اللاذقية يتقارب بصورة عامة من التشريع اللبناني، وحتى الآن لايزال تمييز الدعاوى الصادرة من محاكمنا يرفع الى محكمة التميز اللبنانية. وبما ان علاقاتنا من تجارية وغيرها منحصرة تقريباً في لبنان كما تقدم، فمن الضروري ان يكون التشريع في البلدين واحداً تسهيلاً للأشغال.
5 – ان هذه المنطقة المؤلفة من سنجق اللاذقية القديم ومن قسم من سنجق طرابلس اللبناني كانت منذ اقدم الازمان الملجأ الوحيد للعلويين الذين تفصلهم عن السنّيين اعتبارات شتى من دينية وعنصرية اوجدت بينهم عداء تاريخياً فتجمعوا في هذه المنطقة واعتصموا بجبالها حيث شكلوا اكثرية ساحقة كما فعل اللبنانيون قديماً حفظاً لكيانهم ليتخلصوا من نير الاضطهاد الاسلامي السني.
وبما ان لبنان يتألف من أقليات دينية مسيحية وغير مسيحية – كما هي الحالة في حكومة اللاذقية – فالارتباط به من شأنه تأمين احترام تقاليد طوائف الاقليات وعقائدها ومصالحها وحقوقها المشروعة الامر الذي لا يمكن تحقيقه بالانضمام الى سورية حيث الطائفة الاسلامية السنية تعدّ لوحدها اكثر من مجموع بقية الطوائف. ففي لبنان لا يوجد طائفة يمكّنها كثرة عددها من التسلط على بقية الطوائف الاخرى.
6 – ان لبنان بارتباطه مع حكومة اللاذقية يصبح عدد سكانه 1300000 نسمة فهذا العدد من السكان يساعد على جعله مساوياً تقريباً لسورية التي يبلغ عدد سكانها بحدودها الحاضرة 1700000 منها 350000 على الاقل تنتمي الى الاقليات من مسيحيين واسماعيليين وعلويين. وبالنظر لكون لبنان سيصبح اوسع وطن للاقليات الموجودة في الشرق بأسره، فلا تلبث تلك الاقليات ان تتوارد اليه من كل جانب اذ تجد فيه المساواة الكاملة في الحقوق مع سكانه فلا يمضي زمن طويل حتى يصير عدد تلك السكان مساوياً لعدد سكان سورية وربما يزيدها.
7 – اذا ضُمت بلاد العلويين الى سورية يصبح لبنان محصوراً من كل جهات البر ويصبح سكانه تحت رحمة السوريين الذين يقاطعونه عندما يشاؤون كما قاطعوا فلسطين حالياً ولا يتورعون عند اول فرصة سانحة عن التجاوز عليه.
ولكن بارتباط حكومة اللاذقية به ترتفع هذه المحاذير اذ تكون اراضي هذه الحكومة حاجزاً مانعاً دونه يمتد من حدود انطاكية الى حدود طرابلس كما ان هذه المنطقة يمكنها عند اللزوم ان تمدّ سكانه بكل ما يحتاجه من المواد الغذائية.
8 – بالنظر لاتساع اراضي حكومة اللاذقية وقابليتها للاستثمار وخصب اكثرها يمكن للممولين من اللبنانيين سواء المقيمين في لبنان او المهاجرين منهم ان يجدوا فيها ميداناً واسعاً لاستثمار اموالهم واستعمال نشاطهم وخبرتهم.
9 – لئن تكن العلاقات المطلوب ايجادها بين لبنان وحكومة اللاذقية مقتصرة على نقاط معينة فهذا الارتباط لا يمنع من ابرام اتفاق بين الطرفين يقضي بالتعاون عسكرياً عند اللزوم، الامر الذي لا تخفى فوائده خصوصاً اذا أُخذ بنظر الاعتبار ان هذه المنطقة تستطيع ان تجمع لدى مسيس الحاجة قوة عسكرية مدرَّبة لا يستهان بها.
10 – بما ان لبنان رغم استقلاله سيكون دائماً كما نعتقد تحت حماية فرنسا، فان ما تجنيه فرنسا من المنافع من ارتباط حكومة اللاذقية به اشهر من ان تُذكر، اذ تصبح عموم الشواطئ الممتدة من اسكندرونة الى صور تحت حمايتها تتصرف بها لمنفعتها العسكرية والبحرية والجوية والاقتصادية كما تشاء.
ان الوضع المطلوب احداثه لأجل توثيق الاتحاد ما بين حكومة اللاذقية والجمهورية اللبنانية يجب ان يراعى فيه تحاشي الاخلال بالتوازن الحاضر من جهة عدد الطوائف المختلفة التي يتألف منها لبنان، ومن جهة ثانية مراعاة مطالب اهالي حكومة اللاذقية وارادتهم الصريحة في المحافظة على استقلال اداري ومالي واسع جداً ضمن النطاق اللبناني. ان هذا الوضع يستوجب درساً مفصلاً، اذ به يجب ان تصبح حكومة اللاذقية جزءاً غير منفصل عن لبنان اي تابعية لبنانية – تشريع لبناني محكمة تَميز لبنانية وتمثيل خارجي لبناني، وذلك لقاء اشتراك في النفقات المقابلة، وتحتفظ حكومة اللاذقية بحصتها من عائدات الجمارك وتتمتع من الوجهتين الادارية والمالية باستقلال واسع متقارب من الوضع الحاضر، وكيفيات هذا الاسقلال تدمجه فرنسا في أحكام المعاهدة الفرنساوية – اللبنانية او في بروتوكول ملحق.
لقد اخذت فرنسا على نفسها حماية الاقليات وهذه الحماية لا يمكن تحقيقها بصورة جدية جازمة بعد زوال الانتداب بمعاهدات تُكتب ويُستطاع تمزيقها والاخلال بها في كل حين – كما جرى في العراق – بل بايجاد توازن حقيقي بين حكومة الاكثرية وحكومة الاقليات. وهذا التوازن لا يتم الا بتأليف دولة واحدة من لبنان والعلويين تحت اشراف فرنسا وحمايتها تتساوى في العدد والقوة مع سورية.
ان هذا العمل يمجد فرنسا وعند اتمامه سيكون لبنان وطن الاقليات من جميع العناصر والاديان في الشرق. وهكذا تكون فرنسا قد ساعدت على حفظ هذه الاقليات وقامت بعمل انساني مجيد يضمّه التاريخ الى مآثرها العديدة الخالدة نحو البشرية وخصوصاً نحو الشعوب الضعيفة المعرضة في كل آن للاضطهاد والاستعباد".

(نقلا عن صحيفة "الراي" الكويتيّة)

(نقلا عن صحيفة "الراي" الكويتيّة)

(نقلا عن صحيفة "الراي" الكويتيّة)