التأخير في تشكيل الحكومة لم يعد مبرراً ولا مفهوماً . صحيح ان عملية التأليف تتم في سياق قواعد اللعبة السياسية وتخضع لتجاذبات وعملية شد حبال وتحسين مواقع ، ولكن فترة السماح " تلفظ أنفاسها الاخيرة " وهامش الوقت والمناورة ضاق إلى ابعد الحدود ولم يعد ممكناً ولا جائزاً استمرار الخلافات والمشادات حول الحصص والحقائب داخل الفريق الواحد ، وتحميل الآخرين مسؤولية عرقلة التشكيل.
عندما استغرقت عملية تأليف حكومة الوحدة الوطنية (حكومة تصريف الاعمال اليوم ) اشهراً كان الأمر مبرراً ومفهوماً لأنه يدور بين فريقين ومشروعين يصعب التوفيق بينهما وجمعهما تحت سقف واحد، ولكن عندما يتعلق الأمر بحكومة منبثقة عن تحالف سياسي يمتلك اكثرية نيابية ، فإن التأخير يصبح موضع تساؤل وتدور حوله شكوك وشبهات ، خصوصاً وان المرحلة الراهنة بتحدياتها وأخطارها لا تحتمل مثل هذا "الترف السياسي " والانهماك بسياسة المظاهر والقشور والمحاصصة من دون النفاذ إلى عمق الامور وجوهرها ومن دون الالتفات إلى الواقع المرير الذي يعيشه الناس وحتى إغفال وإهمال المشاكل الحقيقية التي تقض مضاجع اللبنانيين وباتت تؤرقهم وتقلقهم وتستنفد طاقاتهم.
يخطئ الجميع، مسؤولون وسياسيون ، إن اعتقدوا انه بالامكان الاستمرار من دون حكومة ، وتمديد حالة الفراغ لفترة إضافية واغراقه بشروط ومصالح وتعقيدات، لأنه من " فجوة الفراغ " يمكن أن تتسلل وتنفذ كل انواع المشاكل والصعوبات والاختراقات الامنية ، لا بل يمكنها أن تتسع وتتنامى وتتفاقم وهي الموجودة أصلاً في الدولة وكامنة في مفاصلها ومؤسساتها، من الفساد المستشري إلى الفوضى المستجدة ، ومن الإهمال المزمن في الادارات إلى تراجع الانتاج والنمو والخدمات في الاقتصاد والمجتمع…
الوضع وصل إلى الخط الاحمر ولم يعد يحتمل مناورات وتجاذبات وسجالات … حال الادارات والمؤسسات بلغت نقطة "الاهتراء والتآكل"، وحال المواطنين بلغت خط اليأس من بعض السياسيين والكفر بهم. الناس سئموا الانتظار وملوا السياسة السخيفة ، وآخر همهم كيف تكون الحكومة والاحجام ومن يكون وزير داخلية أو وزير اتصالات أو وزير اشغال … بكل بساطة " الشعب يريد ان يعيش "، وان يتركوه يعيش بأطمئنان واستقرار وأمن وأمان … الناس يبحثون عن ما يبعد عنهم شبح العوز والفقر ، ويجهدون في سد حاجاتهم الأساسية التي هي من البديهات و " تحصيل الحاصل " . والشباب الذي يضج بالحيوية ويزخر بالكفاءات يبحث عن فرص البقاء والاستقرار في وطنه ، ولكنه لا يجد وسيلة لذلك ويدفع دفعاً إلى هجرة بلاده.
الناس مشغولون فعلاً بالتفاصيل واليوميات الحياتية والمعيشية . هذه اليوميات والتفاصيل التي أصبحت مع الاسف هي الأساس ، وهي مصدر القلق والاستياء والنقمة فمن الارتفاع المجنون لأسعار المحروقات إلى حد بات الذهاب إلى مقر العمل والعودة منه أو مرافقة العائلة نهار الاحد في نزهة إلى مكان ما من لبنان يتطلب ميزانية خاصة، إلى ارتفاع الاقساط المدرسية حيث لا شفقة ولا رحمة بالعباد ، إلى الارتفاع الجنوني في اسعار الشقق والبيوت ، والارتفاع المذهل في فاتورة الاستشفاء والدواء ، إلى الارتفاع الكبير بأسعار السلع والمواد الغذائية … وباختصار ، فإن الوضع مزر للغاية ويفتقد إلى ابسط مقومات العدالة الاجتماعية والاستقرار النفسي والمعنوي ، وحتى إلى أبسط مقومات الكرامة الانسانية والانتماء الوطني. فإذا كان المسؤولون والسياسيون لا يعرفون ماذا يجري في لبنان وعلى ارض الواقع فهذه مصيبة ، واذا كانوا يعرفون وهم عن هذا الواقع غافلون أو " متغافلون " ولا يعيرون ما يجري أهمية وأكتراثاً ، فالمصيبة أعظم…
السياسيون اللبنانيون يخطئون ان اعتقدوا ان الناس يصبرون ويتحملون إلى ما لا نهاية وان الحكومة يمكن ان تنتظر اكثر… وهم يخطئون اكثر ان اعتقدوا ان الثورة لا يمكن ان تطأ ارض لبنان ولا يمكن ان تهز الارض من تحت اقدامهم ، واذا اعتقدوا انهم في مأمن ومنأى عن عاصفة الثورات والتغيير التي تجتاح المنطقة العربية . فلبنان اذا استمرت الأوضاع فيه على ما هي عليه سيكون مقراً لثورة من نوع آخر … " ثورة جياع وفقراء ومهملين ومهمشين " تطالب بالعيش الكريم ومحاربة الفساد ومحاكمة المفسدين وكل اولئك الذين أساؤوا استعمال السلطة واوصلوا الشعب إلى هذا الوضع المعيشي المزري، ثورة تطالب بأبسط الحقوق الاجتماعية والصحية والانسانية والانمائية للمواطن اللبناني… وهذه الثورة هي من أخطر أنواع الثورات واشدها فتكاً لأنها ستكون قابلة للتفلت من كل الضوابط والقيود السياسية والطائفية والحزبية … خصوصاً أن الفقر والعوز والحاجة هي اسرع الطرق إلى المساواة في المجتمع وإلى إزالة الفوارق الطائفية والمناطقية والسياسية والحزبية وعندها لا يعود هناك فرق بين فقراء 8 أو 14 آذار.
إحذروا أيها السياسيون والمسؤولون عن ادارة شؤون الناس ، " فالغضب الساطع آت…" بادروا إلى أخذ مطالب الناس المحقة والمشروعة في عين الاعتبار وعلى محمل الجد قبل فوات الاوان . اللبنانيون متلهفون إلى رؤية دولة كاملة متكاملة ، لا شواغر فيها ولا فراغات ، وإلى قيام حكومة تحكم وتتخذ قرارات عاجلة . اللبنانيون يريدون ان يطمئنوا إلى واقعهم ومستقبلهم وإلى أمنهم الاقتصادي والاجتماعي والنقدي … وأول هذه القرارات التي لها صلة في صلب الاستقرار المالي والنقدي والمصرفي والاقتصادي ومدخرات الناس الذين عملوا طوال حياتهم وهم اليوم يعيشون من فوائد تعويضاتهم وهؤلاء يشكلون 60 بالمئة وأكثر من الشعب اللبناني ، قرار سريع وجريء وهو التجديد لحاكم مصرف لبنان الدكتور رياض سلامة… هذا التجديد الذي لا نقاش فيه ولا خلاف حوله ويسلم الجميع بأنه حاجة وضرورة وطنية ، لا يجوز ان يظل عالقاً ومعلقاً بأزمة تأليف الحكومة والحسابات والمصالح السياسية، وانما يجب ان يبت في أسرع وقت ممكن عن طريق مجلس الوزراء في أول جلسة له اذا شكلت الحكومة ، وعن طريق مجلس النواب من خلال قانون استثنائي أو مراسيم جوالة او غيرها اذا لم تشكل ، لأن رياض سلامة " حاكم استثنائي " وهو حاجة وطنية كونه " صمام الامان النقدي " ويستحق ويستأهل أن تلجأ الدولة إلى التجديد له بطرق غير عادية حتى لو اقتضى الأمر إيجاد سابقة في هذا المجال خدمة للناس والمدخرين ولعدم هروب رؤوس الاموال من لبنان.
نقول هذا وندعو بإلحاح إلى تشكيل الحكومة حتى لا يفوت لبنان فرصة بدأ يفقدها لاجتذاب الرساميل واستقطاب حركة الاستثمار والسياحة . فبدل ان يقتنص لبنان هذه الفرصة الذهبية السانحة التي وفرتها حالة عدم استقرار واضطرابات في المنطقة العربية ، نرى هذه الفرصة تفلت من يده بسبب الاهمال والتقاعس الوطني . فها هي الرساميل تهرب من لبنان وتبحث عن أماكن أكثر استقراراً وثقة ، وها هم السواح العرب والاجانب يبحثون عن وجهة سياحية أخرى غير لبنان ، هذا البلد الجميل الحيوي الذي يعاني من مشكلة بسيطة ومعقدة في آن ألا وهي مشكلته في بعض " سياسييه وزعمائه" الذين لا يفكرون إلا بمصالحهم الخاصة.
ويبقى اخيراً مؤسستان لا يزال اللبنانيون يعلقون آمالهم عليهما ويثقون بهما ولولاهما لما بقي لبنانيٌ في وطنه : الأولى هي مؤسسة الجيش اللبناني هذا الجيش الوطني الذي لا يدين بالولاء إلا للوطن والذي أعيد بناؤه على أسس صلبة وعقيدة قتالية واضحة وأثبت في السنوات الاخيرة الماضية أنه والشعب على موجة واحدة ، وللحقيقة أقول انه اذا كان الوضع في لبنان يبعث على القلق والحذر في ظل انقسامات سياسية حادة وخطيرة فأن العامل الاساسي وربما الوحيد الذي يبعث على الطمأنينة هو وجود جيش وطني متماسك ظل عصياً على الانقسامات ولم تنخره سوسة الفساد والطائفية والمذهبية واثبتت قيادته وعلى رأسها العماد جان قهوجي الصامت الاكبر عن رصانة ووعي وحكمة وأنها على مسافة واحدة من جميع القوى السياسية في لبنان.
والثانية هي القطاع المصرفي اللبناني بشكل عام بحيث بقي هذا القطاع محافظاً على قوته ومناعته وسمعته، وشكل " ضمانة " وعاموداً فقرياً للاقتصاد اللبناني . وسر صموده وعافيته خصوصاً في السنوات الست الماضية يعود إلى الرعاية والادارة التي أمنها حاكم مصرف لبنان الدكتور رياض سلامة الحائز على ثقة الناس المطلقة في لبنان وعلى ثقة كبار المستثمرين العرب والذي نجح في اجتياز أدق وأخطر القطوعات والاختبارات والذي كان آخرها قطوع البنك اللبناني-الكندي.
أيها السياسيون: ارحموا شعبكم… ليرحمكم من في السماء.