مفاجئ فعلاً ما جرى بالأمس في الجولان السوري المحتل، وفي منطقة مارون الرأس اللبنانية المحررة.
وان كانت الثانية مفاجأة مرتقبة بشكل أو بآخر، تبعاً لسيناريوات ميدانية عدة ومُعدّة سلفاً منعاً لانفجار عام وواسع (؟) فإن الأولى تبقى كبيرة واستثنائية وغير مسبوقة، وان كانت مُعدّة سلفاً بدورها.
كبيرة لانها المرة الأولى على الاطلاق التي تُسجّل فيها مثل تلك الواقعة في الجولان والطرق المؤدية والواصلة إليه، منذ وقف النار الذي تلا حرب تشرين في العام 1973..وكبيرة لانها تكاد تترجم حرفياً بعض التحليلات التي صدرت منذ منتصف آذار الماضي وطرحت احتمالات انفجار مواجهة (محدودة) مع إسرائيل لحرف اتجاه الريح نحو الخارج بدلاً من إبقائها فالتة تعصف في الداخل!
ثم انها (المفاجأة) استثنائية لأنها أنهت المفارقة القائلة ان حدود مصر والأردن، وهما الدولتان اللتان وقّعتا اتفاقيات سلام متعددة الجوانب مع إسرائيل، شهدت على مرّ السنوات الماضية سلسلة حوادث أمنية وعسكرية متفرقة، في حين ان الحدود السورية الخاصة بالدولة التي لم توقع مثل تلك الاتفاقات لم تشهد ولا حادثة (ولا حادثة واحدة) منذ وقف النار الذي تلا حرب 1973..حتى الخامس عشر من أيار 2011!
(..هكذا إذن) تبدو الصورة في ظاهرها وكأن البعض قرر أخيراً أن يُحيي وللمرة الأولى ذكرى النكبة وهي أم النكبات وأساسها وأولها ونبعها الفوّار. ويسمح (أخيراً وللمرة الأولى أيضاً) بترجمة جملة واحدة من بيان الممانعة الخاص به على الأرض.. لكن الباطن غير الظاهر وتلك الترجمة تبدو محرّفة الى حد بعيد. أي تبدو وكأنها ترجمة لنص آخر بعيد عن النكبة والممانعة وقريب من لعبة المقايضة الاستقرارية التي طرحها أحدهم أخيراً وبوضوح يُحسد عليه!
على أي حال، ما كان الدقّ على أبواب إسرائيل إلا دليل بأس كبير. لكنه اليوم يبدو دليل يأس ليس أكثر.. وهو سياق تجريبي مغامر يفترض أصحابه حتى اللحظة ان اعتماده كخيار سيئ (بالنسبة إليهم) طريق يمكن السير عليه لتجنب الخيار الداخلي الأسوأ في كل الحالات. الاحتمال (كما سبقت الاشارة) كان مطروحاً منذ اللحظة الأولى. لكن المفاجئ فعلاً هو اعتماده والسير فيه!
سياق اليأس هذا، لا يبدو مختلفاً عن سياقات لفظية مماثلة وان كان مآله أشد خطورة بما لا يُقاس: قال العقيد الليبي ان سقوطه سيفتح الباب أمام "القاعدة" ومشتقاتها. وقال العقيد اليمني ان سقوطه سيقسّم بلاده السعيدة وسينعش الارهاب أيضاً. وقبلهما قال (الضابط) المصري حسني مبارك ان رحيله سيؤدي الى وصول "الاخوان".. ومثله (الضابط) التونسي الذي حذّر من ان "حركة النهضة" الأصولية جاهزة لتعبئة الفراغ الذي سيخلّفه سقوطه.. لكن أياً من هؤلاء لم يصل الى حد التوعد بانهيار المنطقة برمتها مع انهياره، أو ربط استقراره باستقرار عدوه إسرائيل!
بديهي القول، ان أياً من تلك الحجج والتحذيرات لم يؤتِ أُكُله، وصار الذي صار ويصير من تونس الى مصر وليبيا واليمن، ولا شيء يدعو الآن لافتراض خلل في هذه المعادلة، حتى لو كانت النكبة هذه المرة عنوان المرحلة، وأول الافتراض!.. نكبة فعلية!