#adsense

“الجمهورية”: الحريري “متغيّب” أمنياً وميقاتي يقاسمه… الفراغ!

حجم الخط

كتب طوني عيسى في "الجمهورية":

لا حكومة في الأفق المنظور. وفي الانتظار، لا يعبر الوقت مجّانا. وثمة معادلة تترسّخ يوما بعد يوم: رئيس واحد للجمهورية، رئيس واحد للمجلس النيابي ورئيسان اثنان للحكومة. أحدهما لا يريد الخروج، لكنّه عالق عند عتبة كُتب عليها: "لو دامت لغيرك لما آلت إليك". والثاني يريد الدخول، لكنّ أكلاف عيش السرايا قبل النضج أكبر من قدرته على التحمّل. لذلك هو يتريّث في الدخول. لكنّ القاسم المشترك بين الرجلين هو أنهما يرفضان السراي كسجن، ويرغبان فيه كعرش. الحريري يعتبره حقا ممنوحا له من الغالبية السنية أولا، والغالبية الشعبية على المستوى اللبناني ثانيا. وميقاتي يراه حقا تكرّسه له الغالبية النيابية دستوريا، كاملة التنوّع الوطني أولا، بعدما حظي بالغطاء "الشرعي" لدار الفتوى أخيرا.

صورة "الرئيسين" للحكومة مستمرّة

ومكتوب لها الاستمرار حتى إشعار آخر، الحريري يحمل دستوريا صفة تصريف الأعمال. وهذه الصفة لا ينتزعها منه ميقاتي إلا عند صدور مراسيم الحكومة الجديدة. وهذا الموعد يبقى في الغيب. وحتى ذلك الحين، السراي شاغر. الحريري ينأى عنه منذ أن أُسقطت حكومته، وميقاتي ليس له أن يقيم فيه قبل اكتمال الأفراح بولادة الحكومة.

ولكن، وتحت وطأة الوقت، يرسّخ ميقاتي انخراطه في معادلة "ثلاثي الحكم"، في الشكل والمضمون، على حساب الحريري الذي يُفترض أنه سلفه، إذا لم يعتذر ميقاتي. والصورة التي ظهرت قبل أيام للرئيس المكلّف إلى يسار رئيس الجمهورية في احتفال الجامعة اليسوعية، فيما الرئيس نبيه بري إلى يمين الرئيس، حملت للكثيرين تعبيرا رمزيا ودعمت هذا الانطباع.

فالحريري كان له ممثله، لكن الأصيل كان في الخارج، وهذه الصورة تترجم دورا فعليا متزايدا يضطلع به ميقاتي كممثل للرئاسة الثالثة، على رغم أن الدستور لا يحدد له دورا قبل التأليف. فالواقع السياسي هو الذي يفرض نفسه في غياب أي حلّ يبتدعه الدستور لأزمة الفراغ في عمل مؤسسة مجلس الوزراء إلى ما لا نهاية.

مضطرّ إلى التغيّب؟

المصادر المواكبة لحركة "بيت الوسط" تكشف أنّ الرئيس الحريري مضطرّ إلى التغيّب عن الساحة السياسية الداخلية فترات معيّنة في المرحلة الراهنة، والأسباب أمنيّة في الدرجة الأولى. وتؤكّد المصادر أنّ الحريري تلقى رسائل الاتهام السورية بضلوع قياديين في "تيار المستقبل" في التطورات الميدانية التي تشهدها سوريا في كثير من الجدية وأَوْلاها اهتماما خاصا. وهو لذلك يمضي أوقاتا طويلة خارج لبنان.

لكنّه يحرص على أداء دوره كاملا في تصريف الأعمال الروتينية في التوقيع وإصدار المذكّرات وإيفاد الممثلين عنه حيث تدعو الحاجة البروتوكولية. كما أنه على تواصل حثيث مع أركان تياره. ويقوم عدد منهم بملاقاته إلى الخارج. فيما تواصل "كتلة المستقبل" اجتماعاتها الدورية برئاسة الرئيس فؤاد السنيورة. وهي التأمت عند وجوده خارج لبنان برئاسة النائب عاطف مجدلاني، الذي له الأقدمية في البرلمان.

خلال ذلك يبدو الرئيس المكلّف في الواجهة، وهو في ظلّ المساعي الحثيثة الجارية لحلحلة عقد التأليف، يتواصل مع القوى الداخلية ويلتقي السفراء والمسؤولين الذين يزورون لبنان رسميا. وتدعم ذلك شبكة العلاقات التي يقيمها الرئيس المكلّف أساسا، في الوسطين الإقليمي والدولي. فالخصوصية التي تتمتّع بها تركيبة النظام الطوائفي في لبنان تفترض مراعاة حضور كل ممثل للطوائف الثلاث في الحكم. وفي هذا المعنى يصبح حضور الرئيس المكلف تأليف الحكومة مهمّا في حال غياب رئيس حكومة تَصرِّف الأعمال.

المرحلة المقبلة بكاملها، وليس فقط أعمال مجلس الوزراء، تحتاج إلى تصريف. وسيكون هناك استحقاق على مستوى الرئاسة الثالثة: مَن الذي سيمثّلها ويمثّل الطائفة التي تشغلها في ظل استحالة إجبار ميقاتي على التأليف بما لا يقتنع، أو الاعتذار ولو طالت المهلة شهورا؟ وهذا السؤال ميثاقي أيضا. فبقاء رئاسة الحكومة في وضعية تصريف الأعمال فترة طويلة يؤدي إلى شلّها وتعطيلها في الوقت الذي يحرص فيه الجميع على احترام المواقع الميثاقية. وسبق لرئاسة الجمهورية، بعد انتهاء ولاية الرئيس إميل لحود أن واجهت استحقاق الفراغ. فقد ملأت رئاسة مجلس الوزراء الفراغ الدستوري، لكنّ "الفراغ الميثاقي" بقي يثير إشكالات لدى المعنيين حتى انتخاب رئيس للجمهورية.

الحريري وميقاتي يتقاسمان الفراغ الدستوري والسياسي. وسيبقى الحريري رافعا شعار تمثيل الغالبية السنية ولو لم يكن رئيسا للحكومة. لكنّ ميقاتي سيجد نفسه أقرب إلى التركيبة القائمة اليوم في الحكم، لأنه يشارك قطبيها الماروني والشيعي الاتجاه الوسطي أو التوافقي، ولو في نسب ودرجات متفاوتة، ووفق مفاهيم متباينة.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل