رغم سقوط ما يقارب ألف سوري برصاص قوات الأمن وقذائف دبابات الجيش منذ منتصف مارس الماضي وحتى اليوم، ورغم اعتقال نحو تسعة آلاف شخص آخر، فإن الموقف الرسمي الروسي استمر في تأييده للنظام في دمشق بخلاف مواقف كل من الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي وغالبية المجتمع الدولي.
موسكو وحسب مسؤول في وزارة الخارجية الروسية تعتبر الموضوع كله مجرد «لعبة غربية» تستهدف المصالح الروسية في شرق البحر الأبيض المتوسط، وهي لا تريد أبداً اجراء مناقشة في مجلس الأمن حول الوضع في سورية «كما يرغب الغربيون»، لا بل إن ذلك المسؤول اعتبر أن المعارضة السورية «مسؤولة عن العنف» في موقف هو الأغرب والأكثر انحطاطاً من الناحية الأخلاقية كونه يتجاهل حقيقة أن الضحايا جميعهم قد قتلوا برصاص قوات الأمن السورية وبسبب قذائف الدبابات التي دكت مدن درعا وبانياس وحمص واللاذقية وبلدات المعضمية ودوما وغيرها، وقد سقط جميع اولئك الضحايا، ومن بينهم نساء وأطفال وطاعنون في العمر، خلال الاحتجاجات في الشوارع.
نعرف تماماً أن الموقف الروسي لا ينطلق من اعتبارات أخلاقية أو أخرى تتعلق باحترام حقوق الإنسان، فموسكو نفسها، لا تختلف كثيراً عن نظام دمشق في انتهاج أساليب عنفية وترويعية بحق معارضيها حتى وإن كانت أكثر ذكاء وأقل فظاظة، إن خلفية الموقف الروسي من الحركات الاحتجاجية في سورية ينطلق من هواجس كبيرة تتعلق بالخوف على سورية كحليف تاريخي استراتيجي في البحر المتوسط في مواجهة الولايات المتحدة وبعض الدول الغربية التي تحتفظ هي الأخرى بعلاقات مصلحية مع بعض الأنظمة في الشرق الأوسط.
لكن الفرق بين روسيا والولايات المتحدة مثلاً، أن الأخيرة تمتلك إرثاً أخلاقياً ورأياً داخلياً عاماً يولي مسألة حقوق الإنسان أولوية كبيرة، وما الموقف الأميركي من تطلعات الشعب المصري ودعم ثورته ضد نظام الرئيس السابق حسني مبارك الذي كان حليفاً وثيقاً وأساسياً لواشنطن، إلا برهان أكيد على هذه الأولية في السياسة الخارجية للولايات المتحدة. أما روسيا ونظراً لإرثها كدولة غير ديموقراطية منذ الحقبة القيصرية ومروراً بالحقبة الشيوعية ووصولاً إلى حقبة مدفيديف -بوتين، لا تنظر إلا إلى مصالحها كدولة عظمى، وهي ترى الأمور فقط من زواية الصراع والتنافس مع الغرب. بناء على ذلك لا يمتلك الخطاب الروسي اليوم أي جاذبية شعبية ليس في المنطقة العربية فحسب بل في العالم كله.
العلاقة السورية – الروسية ترسخت بعد طرد السوفيات من مصر حين اضطرت موسكو للبحث عن بدائل أخرى في الشرق الأوسط، آنذاك كان كل من العراق وسورية اللذين يحكمهما حزب «البعث العربي الاشتراكي» أفضل تلك البدائل فتدفق السلاح إلى هذين البلدين، وبالإضافة إلى الدعم العسكري قدمت القيادة السوفياتية دعماً سياسياً مشهوداً لسورية في المحافل الدولية وساهم الاتحاد السوفياتي في بناء البنية التحتية للاقتصاد السوري، كذلك اعتمدت دمشق في تسليح جيشها على الصديق والحليف «الاشتراكي». وفي عام 1963 اقيم مركز الدعم المادي التقني للأسطول البحري السوفياتي في ميناء طرطوس السوري. وكان الاتحاد السوفياتي يورد إلى سورية أسلحة وغيرها من السلع بكميات كبيرة ما أدى إلى تراكم المديونية السورية.
ورغم أن الولايات المتحدة لا تحتفظ بعلاقات ودية مع النظام في دمشق، كما أنها في الوقت نفسه لا تملك قنوات اتصال مع المجتمع السوري بسبب الجفاء في العلاقة الرسمية عبر عقود، فقد لمسنا تحسساً إنسانياً أميركياً لمعاناة السوريون وإدانة كبيرة للمجازر التي ارتكبت بحق المتظاهرين العزل، ولعل هذا ما كان ينتظره السوريون من الرأي العام الدولي رغم أنهم لا يعلقون الآمال على التغيير من خلال التدخلات الخارجية. وبخلاف روسيا «الصديقة لسورية والشعب السوري» كما يردد مسؤولو البلدين، فقد شددت الولايات المتحدة انتقاداتها القاسية للحكومة السورية، ووصفت إجراءاتها القمعية لتظاهرات الاحتجاج بأنها «بربرية». هذا الموقف الأميركي أتى متزامناً تماماً مع تصريحات المسؤول في وزارة الخارجية الروسية الذي اتهم المحتجين بممارسة العنف!
ليس الأميركيون وحدهم من يمتلكون حساً ديموقراطياً واحتراماً لحاجات وتطلعات الشعوب في التخلص من القهر وأنظمة القمع، بل الاوروبيون أيضاً الذين عبروا عن مواقف مؤيدة لتطلعات السوريين في الحرية، ففي ستراسبورغ، دعا النواب الاوروبيون الممثلة العليا للاتحاد الاوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كاثرين أشتون إلى بذل مزيد من الجهود كي لا يبقى الاتحاد الاوروبي «قزماً سياسياً» في وقت يبزغ فيه «الربيع العربي»، حتى أن زعيم الخضر دانيال كون بنديت سأل أشتون قائلاً: «من يمنع في اوروبا وضع الأسد على لائحة العقوبات؟».
الموقف الروسي من الأحداث في سورية يعكس ضيق أفق شديداً ويفتقد الديناميكية المطلوبة لأي دولة عظمى تريد الحفاظ على مصالحها وتكسب احترام الشعوب في الوقت نفسه. ودلالة على ذلك، نرى كيف أن تركيا، قد انتقلت في مواقفها ازاء الاحداث في سورية من موقف الناصح إلى موقف المنتقد لجرائم النظام. هذه المواقف التركية تشير إلى صعود في الدور التركي الإقليمي والدولي، ويعكس ديناميكية مطلوبة لأي دولة أو قوة عالمية تبحث عن مكانة لائقة على الخارطة الدولية.