تعتبر اوساط ديبلوماسية غربية ان لا أثر سلبيا للاضطرابات في سوريا في المجال المنظور على الوضع في لبنان، وتستبعد حصول فتنة من جراء ذلك كما يعلن حلفاء سوريا في لبنان. غير انها تخشى احتمال تحول الاضطرابات في سوريا حرباً طائفية. وهذا التحول يمكنه التأثير في الوضع الداخلي اللبناني.
كتب سمير تويني في صحيفة "النهار": امام النظام في سوريا لجبه التطورات اربعة احتمالات يمكن ان يؤثر بعضها في الوضع الداخلي:
الاحتمال الاول هو المراوغة وتقديم الوعود كما حصل حتى الآن دون تنفيذ الاصلاح المنشود من الشعب السوري، وذلك بغية ربح مزيد من الوقت، وهذا من شأنه اطالة الازمة.
والاحتمال الثاني هو استمرار العنف وعدم تجاوب القيادة السورية مع مطالب الشعب، وهذا الوضع لا يمكنه الاستمرار طويلا، لان عواصم القرار بدأت تعيد النظر في مواقفها، وبخاصة الادارة الاميركية التي تتعرض لضغوط من الكونغرس الذي يدين بصراحة موقف النظام السوري من الاحداث والعنف التي يواجه بها المتظاهرون، وخسر الرئيس السوري بشار الاسد جون كيري آخر المدافعين عنه في الكونغرس الاميركي.
اما الاحتمال الثالث وما يدعو اليه المجتمع الدولي فهو تنفيذ مطالب الشعب السوري، وقد يحتاج هذا السيناريو بعد الفرص التي اضاعتها القيادة الى حصول انقلاب من داخل النظام الحالي. والسؤال: هل هناك امكان للتوصل الى ذلك الهدف؟ وهل يمكن الاعتبار انه يمكن اصلاح النظام من الداخل؟
والاحتمال الرابع هو ما أنذر به ابن خال الرئيس السوري رامي مخلوف في مقابلة مع صحيفة "النيويورك تايمس" الاميركية، رغم تنكر السلطات السورية، ويشكل تهديدا للسلام القائم بين اسرائيل وسوريا. ويعود الى معادلة امن اسرائيل بأمن سوريا. وهذا السيناريو لن يطلق حربا من هضبة الجولان بل يحتاج الى موافقة ايران و"حزب الله" لاشعال الحدود الشمالية للدولة العبرية، ويتطلب موافقة اسرائيلية على الدخول في مواجهة مع "حزب الله"، فيما سياسة اسرائيل حاليا هي رفض قيامها بأي تحرك قد يجيش ضدها الثورات العربية. كما ان هذا السيناريو قد يؤدي الى خسارة ايران ورقة اساسية في مواجهتها مع الغرب بشأن ملفها النووي في ظل خلافات داخلية على الامساك بالقيادة الدينية داخل ايران. وفي هذا السياق يجب الاشارة خلال الفترة الاخيرة الى توقف تسريب السلاح الايراني لـ"حزب الله" من سوريا مع كل ما لذلك من معان.
وهذا الواقع السوري والاقليمي أثر ولا يزال في تشكيل الحكومة اللبنانية. وفي هذا السياق كان النظام السوري بعد الانقلاب على الاكثرية وبعد تكليف الرئيس نجيب ميقاتي عرض خلال الاسابيع الاولى خدماته لتأمين تشكيل حكومة لبنانية في مقايضة لحماية موقعه، غير انه لم يلاق تجاوبا من بلدان القرار. وجاء الربيع العربي والاحداث في سوريا لتقضي على المقايضات السورية نهائيا، وخسرت دمشق ورقة تسهيل تشكيل الحكومة التي اصبحت مرتبطة بوضع اقليمي هش وبوضع سوري داخلي لا يسمح للقيادة السورية بالمساهمة في تشكيل حكومة اللون الواحد وتسليم "حزب الله" زمام الحكم في لبنان، لما سيشكل ذلك من ترددات على الوضع الداخلي السوري والاقليمي عموما، والموقف السوري من احداث البحرين خير دليل.
فاتفاق السين – سين الذي كان عزيزا على قلب الرئيس نبيه بري والذي كان في ظرف معين قادرا على استيعاب الازمة اللبنانية، فقد كل مقوماته. فالسين الاولى في العناية الفائقة والسين الثانية تهتم بلملمة اوضاع الخليج العربي والعرب في مواجهتها مع ايران، في انتظار ما سيؤدي اليه الربيع العربي في تونس ومصر وليبيا واليمن والبحرين وعمان وسوريا…
والسؤال هو من يمكنه اليوم فتح كوة في جدار الازمة اللبنانية في ظل واقع اقليمي جديد؟ فيما المطلوب في الظرف الحاضر من جميع الاطراف اللبنانيين تغليب السيادة الوطنية وتماسك البلاد والمصلحة العامة على المصالح الشخصية والحزبية لمنع تأثير التقلبات العميقة في الشرق الاوسط على وضع لبناني غير محصّن. وفي ظل هذا الربيع العربي ما من دور قيادي وريادي لقيادة هذه التغيرات، فيما تحاول الديبلوماسية المصرية استرجاع دورها، وقد نجحت في تحقيق المصالحة الفلسطينية – الفلسطينية.
فلبنان لا يمكنه أن يكون سوى مع الاصلاح والديموقراطية في العالم العربي "لكن ليس لنا أن نقوم بأي عمل نيابة عن شعب اي دولة عربية. نحن مؤمنون بالاصلاح، لكن ما نتمناه لكل دولة عربية هو ما يتمناه شعب تلك الدولة العربية" بحسب الرئيس فؤاد السنيورة، أي عدم التدخل في ما يحصل في البلدان المجاورة، "لان لبنان عانى الكثير من جراء التدخلات الخارجية في الوضع الداخلي، والشعب اللبناني يريد ان يكون على أحسن حال مع جاره الشعب السوري ضمن احترام سيادتنا واستقلالنا. وليس لدى لبنان أي عمل في موضوع تغيير الانظمة".
أما في شأن الحكومة، وبعد محاولة ما سمّي انقلاباً واخذ نواب من مكان الى آخر بالابتزاز والتهويل، تبدو الان الصورة عمليا: سوء تقدير للمصاعب التي تكتنف عملية التأليف. وقد برز الخلاف على شكل الحكومة والحقائب، فيما التغيير في المنطقة ادى الى مراوحة في انتظار أن يطرأ جديد. وهذا الوضع مجمد في انتظار "نافذة ديبلوماسية"، وهناك من يرغب في تأليف حكومة خبراء تكون موقتة الى أن تهدأ الامور. غير ان المشكلة اليوم في يد الاكثرية الجديدة التي لم تتفق في ما بينها ولم تتمكن من ادارة شؤون البلد كفريق متجانس في ظل الخلافات في ما بينها. وقد يكون الرئيس المكلف فوّت على البلاد تأليف حكومة تكنوقراط، فالامر اصبح اكثر صعوبة وربما الواقع الاقليمي الحالي وحماية لبنان يتطلبان حكومة انقاذ وطني.