كتب عباس صالح في صحيفة "النهار": الازمات الداخلية كبيرة ومتشعبة، بحجم مساحة الوطن على كل صعيد وفي كل ادارة من الادارات الرسمية المرتبطة بالدولة. لكن ان يكون جهاز العناية بالانسان في أزمة، فتلك المصيبة بعينها. اما المصيبة الاعظم، فتتجلى بكل ابعادها، عندما يضطر جهاز موظفي مستشفى بعبدا الحكومي، الى الاعتصام احتجاجا على الاهمال المتمادي من الدولة، لإظهار مشكلة تمتد جذورها الى 13 عاما.
ما هي حكاية هذا الصرح الطبي العريق الذي تراجع دوره وانحسر حتى بات بحجم مستوصف ليس في استطاعته ان ينافس اي مؤسسة استشفائية في جبل لبنان مهما تكن صغيرة، او ذات امكانات متواضعة؟ ولماذا تقلص دوره الى حد أشبه بالاندثار؟
عام 1997 اتخذت الحكومة قرارا بترميم هذا المستشفى الذي تأسس عام 1905 وأحالته على مجلس الانماء والاعمار للبدء بعملية الترميم. ومنذ 2001 الى 2004 كان المستشفى يسير على أحسن ما يرام، بطاقة سريرية وصلت الى حدود الـ 70 سريرا. عامذاك تم هدم نحو 60 في المئة من المستشفى الذي بقي يعمل بنحو 20 سريرا ريثما تستكمل عمليات الترميم والتحديث التي رست في حينه على شركة "سنام". الا ان عملية الترميم توقفت فجأة على أثر فرار المتعهد من لبنان بعد اعلانه الافلاس، وبقي المستشفى يعمل منذ تاريخه بنحو 20 سريرا، من دون ان تفكك التعقيدات البيروقراطية التي تنجم عن الحالات المماثلة، وهذا ما اوجد مشكلات متشعبة، ليس اقلها ان المصاريف المتوجبة على المستشفى بقيت هي نفسها، في حين تراجعت المداخيل بشكل كبير بعدما ترجم الانخفاض في عدد الاسرة عجزا ماليا كبيرا اثقله التراكم من عام الى عام، الامر الذي باتت معه ادارة المستشفى عاجزة حتى عن تسديد رواتب موظفيها الذين يصل عددهم الى نحو 120 موظفا، وبات معه هذا الصرح العريق مهددا برمته بالخطر.
تفرعت من هذه الازمة أزمات، ومنها ان المستشفى المنقسم اصلا الى قسمين، القسم الاول وهو البناء الذي لا يزال قائما، ويعمل اما القسم الثاني فهو البناء الملحق به والذي بدأت عملية الترميم فيه.
منذ مدة طويلة تبرعت الحكومة الايطالية والمصرف الاسلامي بتمويل تجهيز الجزء القائم من المستشفى، وقد جهزته بنحو 40 سريرا جديدا، مجهزا باحدث المعدات، لكن انتظار التمويل اللازم لتشغيل اقسام الصحة والاطفال والتوليد يحول حتى الساعة دون انطلاقة هذا الجزء المهم المتوقف. والسبب ان الدولة تتأخر أحيانا في تحويل المستحقات والاعتمادات والمساهمات التي يحتاج اليهما المستشفى لدفع ما عليه من رواتب وغيرها، وبالمراجعة يتبين للادارة دائما ان "الزواريب" المصطنعة في الدولة هي اساس المشكلة، "فوزارة المال تحيلنا على وزارة الصحة وتعيدنا الصحة الى المال التي تحيلنا مجددا على تدوير الاعتماد… وهكذا".
مصدر مسؤول في ادارة المستشفى كشف لـ"النهار" ان هذه الاقسام الثلاثة التي باتت جاهزة ولا تحتاج الى اموال تشغيلية، تشكل العمود الفقري الذي يمكن ان نتكل عليه ليدر بعض الواردات على المستشفى، في حين ان عدم تشغيله يبقينا في دوامة الازمة".
من الازمات المتفرعة ايضاً عن عدم اكمال الترميم، مشكلة عدم ايفاء المؤسسات بوعودها لمستشفى بعبدا الحكومي، ولا سيما مجلس الانماء والاعمار الذي يماطل في صرف الاموال المرصودة لاكمال عمليات الترميم المطلوبة بسرعة، والجامعة اللبنانية التي وقعت مع ادارة المستشفى عقدا يقضي بتأمين معدات طبية له بقيمة 3,1 مليارات ليرة لبنانية منذ 2008 ولم ينفذ، ووزارة الصحة التي لا تقدم المساهمات المطلوبة منها للمستشفى.
يوم امس دق موظفو المستشفى جرس الانذار الأول لكل من يعنيهم الامر "ان بلغ السيل الزبى، ولم يعد ممكنا ان نسكت على حقوقنا الضائعة بين الجهات المعنية، اعتصموا في باحة المستشفى الخارجية "احتجاجا على الاهمال المتمادي"، واطلقوا الصرخة، علها تصل الى مسامع من يجب ان يسمع، وان لم تفعل الصرخة فعلها المرجو، فالخطوات التالية ستكون أكثر تصعيدا، وربما أشد ايلاما. عهدا قطعناه على انفسنا بعدم التوقف او التراجع حتى تلبية جميع مطالبنا، ونأمل ألا نضطر الى الوصول الى مواقف احتجاجية اكثر قسوة"، هكذا يقولون".
تلا احدهم بيانا شاركوا جميعاً في صياغته، وفيه: "إن مستشفى بعبدا الحكومي الجامعي يمر الآن بأزمة مادية كبيرة من جراء هدم الدولة قسماً كبيراً منه سنة 2004، وتوقف أعمال الترميم أواخر العام نفسه تاركة المستشفى بمصاريف ثابتة عالية وبمداخيل منخفضة لعدم توافر القدرة السريرية اللازمة، مما تسبب بعجز انعكس تأخرا متماديا ومستمرا في دفع رواتب ومستحقات وتعويضات متأخرة منذ سنوات للموظفين".
أضاف: "نحن الموظفين لن نتأخر يوما عن القيام بجميع واجباتنا تجاه المستشفى والمرضى لتأمين استمرارية هذا المرفق العام، ولكن وصلنا الى مرحلة صعبة وخطيرة جدا لجهة بقائنا بدون رواتب لمدة تزيد على أربعة أشهر هذه السنة، اضافة الى تأخر دائم في دفع الرواتب والمستحقات في السنوات الخمس الماضية. وإننا نوجه نداء نابعا من القلب، كفى تجاهلا ولامبالاة بمعاناتنا ومعاناة عائلاتنا، نطالب الدولة ووزارة الصحة ومجلس الانماء والاعمار بالمسارعة الى صرف المستحقات والاعتمادات والمساهمات الكافية التي تمكن المستشفى من دفع الرواتب والمستحقات والتعويضات للموظفين، وسد العجز جراء توقف أعمال الترميم، وتشغيل الاقسام الجديدة الجاهزة في المستشفى.
ونطلب من وزارة الصحة العامة اعادة النظر في مسألة مساعدي الممرضين من غير حملة الشهادات لجهة ادخالهم الى الملاك الخاص بالمستشفى أسوة بزملائهم، مع اعطائهم بدل نقل يومي، والبدء بعد انتظار دام نحو ثلاثة عشر عاما بورشة الترميم الممولة من الدولة الايطالية والبنك الاسلامي للوصول الى 120 سريرا لكي ينطلق المستشفى بموارده وقدراته الذاتية، والطلب الى الجامعة اللبنانية تنفيذ أمر الدفع المتأخر لديها عن سنة 2008 المتعلق بالمساهمة المخصصة لشراء معدات طبية للمستشفى بقيمة 3 مليارات و100 مليون ليرة بعدما أنجزت جميع الاجراءات القانونية المطلوبة لذلك".