ما عادت إرتكابات الوزير جبران باسيل بحق الإعلاميين تفاجئ أحداً خصوصاً ما يتعلق منها بمن يفترضه "عدواً" من ذلك الإعلام.
وللأمر أسباب عدة، أولها الأداء الشخصي. وقدرة الوزير باسيل الاستثنائية على تلقف إشارات تربوية ـ توجيهية من معلّمه وملهمه ومكتشفه وعمّه جنرال الغضب في الرابية، وفي كل مكان وقف فيه.
وليست حكايات جديدة، تلك الخاصة بالإرث العوني الذي ينهل من معينه ونبعه الصهر العزيز. فكل الناس تقريباً يعرفون ذلك الإرث. وكثيرون من الإعلاميين لمسوه و"عاشوه" من قصر بعبدا الى المنفى. وهو في كل حال، لا يزال يتناسل من دون انقطاع حتى اليوم.. هناك صحافيون ممنوعون من دخول الرابية، والمسموح لهم الدخول معرضون في أي لحظة، وعلى الهواء مباشرة لزجر واضح وجلف إذا خالفوا قواعد السلوك المعتمدة عند الجنرال.. والمشكلة الفعلية عند ذلك الجنرال، تكمن في عدم قدرته أو رغبته في الخروج من الثكنة، والافتراض ان الناس في الإجمال، إعلاميين وسياسيين وفنانين ومصوّرين ورياضيين ومزارعين ورجال دين وباعة بوظة وبطيخ وكعك وغيرهم، ليسوا إلا عسكراً فوضوياً داشراً، لا بد من ضبطه وضبط سلوكه على الدوام!
أقرب الناس الى التماهي مع ذلك الأداء هو الصهر العزيز بحكم منطق الأمور. علماً ان قدماء كثراً ينافسونه على تلك الريادة، لكن أبواب الجنرال الغاضب لا تفتح على مصراعيها إلا له.. وله وحده تقرع الأجراس ويُدّق على الصدور والطاولات.
وفي مضمون الأداء الباسيلي ـ العوني ما يقترب فعلياً من ذلك الجذر الذي سبق ودمّر "المنطقة الشرقية" في أواخر ثمانينات القرن الماضي، وأطلق واحدة من أمرّ حروب لبنان… الجذر الذي يُحدّد ان منطق القوة والعنف كفيل باستبدال هرطقة صناديق الاقتراع ومطولات شغل المؤسسات والقوانين والدساتير ومعها النقاشات والمحاورات والمجادلات بين الناس.
تكفي عصبة منظمة، مسلحة وشرسة كي تفرض رأيها على جمهور واسع. وأول المطلوب لردف تلك القوة المسلحة بمعين حاسم، ليس إلا الإعلام المركّب والموجّه.
الإعلام الحر خطير على المرتكب. وخطير على مشروع العصبة المسلحة والمنظمة. وخطير على الانقلاب.. والإعلام اللبناني بحكم تنوعه وطبيعة النظام الذي يعمل في ظلّه، يبقى عصياً على التطويع والقولبة والوقوف في الصف المرصوص. هو إعلام وليس فرقة حزبية مستعدة لتلاوة البيان الرقم واحد عندما يصدر! وهذا درس لم يتعلمه عون كما لم يتعلمه صهره العزيز.
..مشكلة المشاكل في الشغل السياسي، الفاجر والبعيد عن الأدب وهو اتجاهه صوب تقمّص الأداء الميليشيوي، باعتبار ذلك في صوَرِه البشعة رديف فلتان الرعاع في الشارع.
وعندما يصير ذلك الفلتان في المؤسسات أو يتغطّى بها، نصير في جمهورية كتلك التي يحلم عون وصهره برئاستها. بل يسعيان بدأب إليها. غير منتبهين حكماً، الى ما يدور في مثل تلك الجمهوريات، وغير منتبهين الى العصر وأحواله، وغير منتبهين الى اننا ما زلنا في لبنان، وهذا لم يصل بعد، رغم كل شيء، الى مرتبة دولة الحزب الواحد والوزير الواحد! كما لم يصل بعد الى مرتبة الدولة المحكومة بقانون الطوارئ!
..من لا يعرف كيف يتعامل مع الإعلام في هذا الزمن، لا يعرف شيئاً. لا في السلطة ولا في النظام ولا في المؤسسات ولا في الاقتصاد ولا في الاتصالات ولا في البنزين ولا في الانتخابات ولا في الصناعة ولا في العسكر ولا في الأخلاق.. لا يعرف إلا أناه، وتلك بوابة السقوط الدائم.. بإذن الله!