في الوقت التي تتناقل فيه وسائل الأنباء معلومات عن اكتشاف سكان درعا مقبرة جماعية في المنطقة وأعلن عن قيام النظام بمجزرتين في ريفها، هذا على الحدود الأردنيّة ـ السوريّة، وأخرى عن إيقاف حافلة تقل مسنين ونساء وتمّ إنزال الركاب فأوقف الرجال وعمدت إلى دهسهم بالأرجل أمام النساء، هؤلاء المواطنين بالكاد كانوا يفرّون بحياتهم من القمع والقتل وقصف الدبابات للبيوت السكنية، لم يتجرّأ مواطن منهم على إطلاق العنان لأحاديثه الصحافية لصحيفة أميركيّة لم تختره بالطبع لأنه مواطن عادي، ولن نقرأ يوماً ما في صحيفة «نيويورك تايمز» لقاء يُجرى مع مواطن عادي في أي دولة في العالم عن أزمة سياسيّة وأمنية تعيشها، فكيف إذا كان لقاء يتناول مستقبل نظام وعائلة حاكمة ودولة وشعب؟!
ليس أقبح من كلام رامي مخلوف لصحيفة «نيويورك تايمز» سوى تعليق وزراء وسفراء النظام السوري عليه، فجأة أصبح بإمكان أي مواطن سوري أن يطلق تصريحات من عيار أن النظام في سورية مصدر أمان واستقرار لدولة إسرائيل وأنه ضمانة لأمنها، «القباحة» التي لم تستوقف أحداً من المحللين هي في هذه الوقاحة التي خرجت إلى العلن وفي الوقت الذي يقتل فيه الشعب السوري لأنه تجرّأ على التظاهر!!
فبكل طلاقة خرجت السفارة السورية في واشنطن ببيان لا ينطلي على الأميركيين ولكنه بيان للاستهلاك العربي لا السوري حتى، فالداخل السوري أمر التعامل معه متروك للدبابات، وأقبح ما قرأناه في بيان السفارة السورية في واشنطن «أن رجل الأعمال رامي مخلوف لا يمثل سوى رأيه وأنه لا يشغل أي منصب في الدولة وكلامه ليس وجهة نظر الدولة السورية بأي شكل من الأشكال»!!
ومن يستعيد كلام مخلوف يُدرك أنه كان يتحدّث باسم النظام وبالفم الملآن، بل وأكثر من ذلك لقد تحدّث عن حكم جماعي للعائلة الحاكمة لسورية يترك «التاتش» الأخير، أو «التظهير» للرئيس السوري، وما هو أبعد وأسوأ من ذلك أن يعتبر البيان الرسمي الصادر عن السفارة السورية في واشنطن وعلى لسان سفيرها عماد مصطفى في رسالة نشرتها صحيفة «نيويورك تايمز»: «نرغب في إعلامكم أن مخلوف مواطن عادي لا يشغل أي مرتبة رسمية في الحكومة السورية، وآراءه التي عبر عنها هي آرائه الخاصة ولا يمكن بأي شكل من الأشكال ربطها بالموقف الرسمي للحكومة السورية».
هذا في الولايات المتحدة الأميركيّة أما في سورية فاعتبر وزير الإعلام السوري عدنان محمود «إن مخلوف لا يعبّر عن رأي الحكومة السورية في تصريحاته لـ»نيويورك تايمز» وإنما يعبر عن رأيه الشخصي فقط».
فجأة أصبحت سورية «معقل» حريّة الرأي، ودولة لا تعتقل الكتاب والصحافيين والشعراء والفنانين بتهمة «قول رأيهم» وهي ما اصطلح على تسميته «إضعاف الشعور الوطني والقومي»، فما الذي يُقال في كلام رامي مخلوف الذي أزاح الستار عن وجه الممانعة المملة التي تستخدم دماء الشعبين اللبناني والفلسطيني لتحسين شروط التفاوض على لبنان لا الجولان بالطبع!!
ثمّة أمرين يجب أن يُقالا أمام هذه المهزلة، لو خرج أي مسؤول سوري وقال في تصريح صحافي ما قاله رامي مخلوف لحوكم بتهمة الخيانة العظمى، ولاتهم بالتآمر على الرئيس السوري والطعن في عروبته وقوميته، ولكن «سلطة المال تتحكم» حتى في الرؤساء!!
أما الأمر الثاني؛ فالعالم كلّه يعرفه وسكت عنه طوال أكثر من ثلاثين عاماً مثلما يسكت اليوم عمّا يُلاقيه الشعب السوري من أهوال القتل والقمع، ما يُفعل بالشعب السوري اليوم وما فُعل بمدينة حماه في الثمانينات هو نفسه ما ظلّ اللبنانيّون يتعرّضون له طوال ثلاثين عاماً وتحت نفس العناوين: مؤامرة على سورية، فتنة طائفيّة، حرب أهليّة، حان الوقت أن يقال للنظام السوري: «طابخ السمّ ذائقه»، والدّعاء لشعب سورية الشقيق أن يلطف الله به وبسورية وأن يذوقوا في عاجل جمعتهم المقبلة طعم الحريّة .