#adsense

قمة “علاقات عامة” روحية

حجم الخط

لا انكار لما يمكن ان تنطوي عليه اي "قمة روحية" من ايجابيات. فهي غدت الاطار الوحيد الذي يتحدث عن الشيء "الوطني" باعتباره واجب الوجود، انطلاقا من بديهيات "الشرعية"، اي الدولة والجيش والدستور. في العادة لم يكن متخيلا ان يحصل خلاف، مهما كان طفيفا، حول هذه العناصر، لكن ضراوة الانقسام السياسي باتت تظلل اساسيات التفكير والاعتقاد.

واذا اتضح شيء من قمة بكركي فهو تركيزها على تظهير "الثوابت" ما يعني في آن ان سياسيي النظام الطائفي، الموجودين في مواقعهم بفضل طوائفهم ومذاهبهم ويدعون تمثيلها والنطق باسمها، قد فتكوا الفتكة الشنيعة بهذه الثوابت. فإما ان المرجعيات الروحية تتحدث عما لا تضمر، واما ان السياسيين يتمردون كليا على مبدئيات مرجعياتهم. والا لما كانت حال "الثوابت"، وهي "الوحدة الوطنية" و"احترام الدولة والدستور والقوانين" و"ثقافة التعايش والحوار" و"تأكيد سيادة لبنان وحريته واستقلاله" والتزام الميثاق الوطني ووثيقة الوفاق في الطائف، على ما هي عليه اليوم من تشوه واهتزاز.

هذا البون الشاسع بين النظريات الروحية (المشتركة بين مختلف الطوائف) والتطبيقات السياسية، تكاد تشي بان البلد قد ادرك "علمانية" لا يدعيها ولم يسع اليها، او كأنه حقق الفصل بين الدين والدولة، بالاحرى بين الدين والسياسة. لكن هذه مجرد ايحاءات غير واقعية. فلا خلاصات الحوار المسيحي – الاسلامي تنعكس على الممارسة السياسية والاشتراعات او على اداء النظام اللبناني وضرورات تطويره، ولا "الوفاقات" التي ينجزها السياسيون استطاعت ان توضح نقاط الالتقاء والتي هي بينها وبين "ثوابت" الروحيين. حتى لكأن الحقيقة تكمن في "تواطؤ الامر الواقع" بين الروحيين والسياسيين.

كانت لقمة بكركي اهمية خاصة تأتي تحديدا من انعدام الحوار حاليا بين اهل السياسة، بل من القطيعة الساخنة التي لم يفرضها فقط الانقسام حول "الحقيقة" المخيفة المتوقعة من المحكمة الدولية في قضية الاغتيالات او حول "السلاح غير الشرعي" المجند في حسم الخلافات الداخلية، وانما فرضتها ايضا الاطراف الخارجية راعية ذلك "السلاح" والضالعة من قريب او بعيد في الاغتيالات.

لم تبدُ القمة الروحية قادرة، على أهميتها هذه، على اطلاق الحوار السياسي، وان كانت لفتت الى غيابه بعموميات بيانها ومجازياته. لكن، عندما يكون البلد والاقليم مأزومين الى هذا الحد، فلا بد انه يحتاج الى اكثر من "قمة علاقات عامة" بين القادة الروحيين، وانما الى بحث صريح وعميق. فعلى عكس انتهازية السياسيين التي تسوّغ لهم العبث بالاستقرار، لا يمكن الروحيين الا ان يتعاملوا بمسؤولية مع خوف الناس، وليس لهم ان يخشوا تسمية الاشياء باسمائها سواء في لبنان او في سوريا.

المصدر:
النهار

خبر عاجل