كتبت صحيفة "النهار":
شكلت أزمة المالٍ العالمية أول تهديد خارجي لتدفق التحويلات المالية إلى لبنان في تاريخه المعاصر، لكنها لم تخلف تداعيات سلبية عليها بخلاف تأثيرها على الكثير من البلدان النامية. ومعلوم ان تلك التحويلات قدّرت بنحو 8,2 مليارات دولار في الـ2010، اي ما يشكل 22% من إجمالي التحويلات الوافدة إلى منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
"متانة تحويلات المغتربين الى لبنان" تعود الى عوامل داخلية وخارجية، حددها تقرير In Focus الصادر عن بنك بيبلوس وسينشره البنك الدولي قريبا في كتاب عن تداعيات ازمة المال العالمية على دفق تحويلات المغتربين الى الدول النامية، في تعاون غير مسبوق بين مصرف لبناني والبنك الدولي، حيث امل رئيس مجلس ادارة المصرف فرنسوا باسيل في ان يحض السلطات اللبنانية على عدم افتراض ان مساهمة المغتربين في الاقتصاد وتحويلاتهم المالية ستستمر تلقائيا. ودعا المسؤولين الى وضع استراتيجية واضحة وشاملة لزيادة الروابط بين الانتشار اللبناني والوطن الام.
التقرير حدّد أسباب صلابة التحويلات بالعدد المرتفع للمغتربين، وعدم حصول تداعيات سلبية على سعر الصرف في البلدان التي هي مصدر للتحويلات، وعدم عودة جماعية للمغتربين اضافة الى ارتفاع المخاطر الاقتصادية في بلدان مجلس التعاون الخليجي. ووفق رئيس قسم البحوث والتحاليل الاقتصادية في المصرف نسيب غبريل، تراجعت تلك التحويلات على نحو ملحوظ بداية الأزمة، لكن لامد قصير اقتصر على الفصل الثالث من 2008 والفصل الثاني من 2009، اذ ارتفعت بنسبة 5,3% في الـ2009 مقارنة بانخفاضها إلى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بنسبة 6,3%. وكان لبنان البلد الوحيد في المنطقة الذي تأثر ايجابا بالازمة، اذ بلغت تحويلات المغتربين 1,3% من الناتج المحلي الإجمالي في الـ2009، حين بات أكبر متلقٍ للتحويلات من حيث القيمة، ونسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي، ونسبة الى عدد المقيمين per capita.
وثمة 4 عوامل رئيسة ساهمت في صمود التحويلات إلى لبنان خلال أزمة المال العالمية هي:
1- الهجرة المستمرة منذ 1975 والتي شكلت العامل الأكثر أهمية للتدفق المستمر للتحويلات، في معزل عن الظروف السياسية أو الاقتصادية المحلية. اذ بلغ عدد المهاجرين بين 1992 و2007 نحو 466 الفا أي 10,3% من المقيمين، وفي ذلك دلالة واضحة على حجم الهجرة الكبير.
2- قدرة الكسب الفعلية والمحتملة للمهاجرين، والنسبة العالية من المغتربين الذين يساعدون أسرهم يزورون البلاد بانتظام. وفي الواقع، فان نسبة 45,4% من المهاجرين الذين تراوح أعمارهم بين 18 و35 عاما كانوا من الخريجين الجامعيين حين غادروا البلاد، و39% ممن هم فوق الـ35 سنة كانوا من حملة الشهادات العلمية عند هجرتهم، و55% ممن غادروا لأسباب تتعلق بالعمل.
3- سعر صرف الليرة المثبت في مقابل الدولار، علماً أن مصدر ثلاثة أرباع التحويلات إلى لبنان، اقتصادات ترتبط عملاتها بالدولار. وهذا ما حمى لبنان تقلبات سعر صرف العملات حول العالم.
4- عدم حصول عودة جماعية للمغتربين في بداية أزمة المال، بفضل قدرتهم على التأقلم مع الظروف الاقتصادية المستجدة، وحذرهم من احتمال تجدد الاضطرابات السياسية في لبنان وإدراكهم عدم وجود فرص عمل كافية في الداخل.
ويُظهر التقرير ترابطاً إيجابياً Positive Correlation بين عدم الاستقرار السياسي وتدفقات التحويلات خلال فترة كانون الثاني 2005- أيار 2008، وهي فترة عدم الاستقرار السياسي في لبنان. وخلص الى أن التحويلات ارتفعت مع ارتفاع مستوى المخاطر الاقتصادية في دول مجلس التعاون الخليجي خلال أزمة المال "مما يعكس عامل "الملاذ الآمن" الذي يمكن أن يسبب عودة التحويلات لأغراض الاستثمار في لبنان خلال الركود الاقتصادي في البلدان المضيفة، والذي انعكس بمستوى لم يسبق له مثيل من تدفقات رؤوس الأموال إلى لبنان في الـ2009.