رئيس الجمهورية

تختلط الأمور على الناس في حيثية رئاسة الجمهورية، في كل مرّة ينبري أحد المفوّهين ويستشيط تنظيرا في هذا الموضوع. لن أدخل في مناقشة الصلاحيّات المعطاة بالدستور لهذا المقام، فهي عرفت عبر العقود المنصرمة مدّا وجزرا. بالأضافة الى أنّ ملافنة القانون الدستوري عندنا، وهم كثر، قد وفّوا هذا النطاق حقّه. أمّا الحيّز الذي أحاول الأضاءة عليه، فهو الأجابة ببساطة على السؤال البديهي: "ما" هو دور رئيس الجمهورية؟

ينعم لبنان بالنظام الديمقراطي، ولو في الشكل، إذ انّ بعضهم يعتبر أنّنا فعليا نحافظ على الديمقراطية ولا نمارسها. والديمقراطية تفترض آلية موجبة هي الأنتخابات، أي انّ القاعدة العريضة تمنح ثقتها بالأقتراع لمن يمثّلونها في السلطة، ويحملون تفويضا منها لسنّ القوانين، وينتخبون على رأس كل ست من السنوات رئيسا للبلاد. وهذا يعني أنّ رئيس الجمهورية الذي يحوز على الأغلبية النيابية، يكون في الوقت نفسه قد أعطي التوكيل الذي منحه الشعب لنوّابه. فبعيدا عن كل فقه قانوني، وعن أيّ تفسير تشريعي، واستنادا الى القاعدة الثلاثية الرياضية، يكون رئيس الجمهورية ممثلا للشعب بكليّته، أي إنّه الرئيس الفعلي والشرعي لأكبر كتلة نيابية، على أساس أنّ مجلس النواب هو الذي انتخبه. من هنا، يحق لرئيس الجمهورية أذا أن تكون له الكلمة الوازنة في الدولة ولا سيّما في الحكومة.

انّ رئيس الجمهورية هو حارس الدستور ويتولّى الحرص على استمرارية كيان الدولة، وهو حامي الأستقلال الوطني وسيادة الشعب ووحدة الأرض. وهو رئيس مجلس الدفاع الأعلى وبالتالي ينبغي عليه بموجب هذا المنصب أن يرعى عمليّة سلامة الدولة وأمن المواطنين. وهو درع الديمقراطية التي يتظلّلها اللبنانيّون ويفيدون من أعطياتها وفي مقدّمها الحريّة. وهو الحكم الحياديّ اللاّفئوي إلاّ في ما يعتبر قضايا الوطن الأستراتيجية، وهو عمود الدولة ومرتكزها المتين، وهو المسؤول الأوحد الذي لا يترشّح لمنصبه بناء على تسمية الطائفة التي ينتمي أليها، من هنا "شموليّته" الوطنيّة وعدم ألزامه بالقوقعة المذهبية. وهو، بأدائه، لمّا يزل قادرا على التأكيد أنّ الممارسة الديمقراطية ممكنة وفي صحّة جيّدة. وهو الوحيد الذي لا يملك أمكانيّات دكّ أسس الدولة، بالرغم من كونه القائد الأعلى للقوات المسلّحة، لأنّه في دكّها يلغي نفسه أساسا، ولأنّه، وهذا هو الواقع الأليم، لا يسيطر على القرار الطائفي الذي بإمكانه شرذمة هذه القوى. أذا تتقاطع "مصلحته" مع المصلحة الوطنية، في الحفاظ على وحدة القوى العسكرية – عامل الأسقرار والبقاء – لا بل تتماهى المصلحتان فتذوب الصغرى في الكبرى.

وبعد، كيف يمكن ألاّ نعتبر الرئيس رمزا وطنيا، بمعزل عمّن يكون هذا الرئيس؟ من هنا، وانطلاقا من مفهوم الأنتماء للوطن ومحضه الولاء، واعترافا بأنّ رئيس الجمهورية هو ضامن الجمهورية ووكيل الناس، نرفض أن يكون الرئيس شهيد نزوات الموتورين الذين يمعنون في تشويه صورة الرئاسة. وأكثر من ذلك فلو افترضنا تشكيل حكومة يدين أعضاؤها جميعا بالولاء للرئيس، لكان هذا الأمر موثوقا أكثر ممّا يجري حاليا بين المتناتشين الذين يوهمون الناس بغيرتهم الوطنيّة، وهم أبعد ما يكونون عنها وليسوا في الواقع سوى نكبة الوطن الحقيقية.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل