لم يقطع الرئيس المكلّف الأمل من إمكانية تجاوز العُقد بالرغم من كل التصعيد والشروط
كتب د.عامر مشموشي في صحيفة "اللواء": على وقع مسلسل إضرابات الاحتجاج على تدهور الأوضاع الاقتصادية، والمعيشية، والاجتماعية في ظل غياب حكومة تتصدى لهذا الواقع المتردي على جميع المستويات، تواصل الأكثرية الجديدة أو ما يسمى بأكثرية القمصان السود إمعانها في وضع العراقيل أمام الرئيس المكلّف منذ ما يقارب أربعة أشهر تشكيل حكومة "لمّ الشمل والإنقاذ"، وتتمادى في حملتها عليه لحمله على الرضوخ لشروطها التي لا تستولد إلا مزيد من الشرذمة الداخلية، وعلى رئيس الجمهورية لإجباره على التخلي عن صلاحياته الدستورية.
وما زالت هذه الأكثرية الجديدة تتذرّع لإبقاء البلاد في حالة الفراغ في البلاد وتفريغ الدولة من كل مقوّماتها بأن الرئيس المكلّف ومعه رئيس الجمهورية يتحمّلان مسؤولية هذا الواقع لأنهما يتمسكان بصلاحياتهما الدستورية وبالآليات المتبعة لتشكيل الحكومة، ويرفضان في ذات الوقت الاستسلام لمشيئة هذه الأكثرية، والمجيء بحكومة مواجهة تشكل إيذاناً بتفجير الوضع الداخلي، في الوقت الذي يحتّم على كل من يتحلى بالمسؤولية الوطنية ويتحسّس بالتطورات المتسارعة التي تعيشها المنطقة من حول لبنان العمل على تضافر جهود الجميع من أجل إنتاج حكومة إنقاذ وطني، يكون من أولى مهماتها تحصين الوضع الداخلي من أي ارتدادات خارجية، والتصدي للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية المتفاقمة جرّاء غياب السلطة، بل كل السلطات المسؤولة، على خلفية الانهماك في أزمة تشكيل حكومة جديدة، تتولى وضع الحلول للمشاكل الداخلية، وتضع الخطط لتحصين البلاد من ارتدادات ما يجري حولها وفي المنطقة من انتفاضات وثورات شعبية.
وكل الإيحاءات التي تصدر بين الحين والاخر، عن حصول تقدّم على صعيد تأليف الحكومة، وإنهاء أزمة التأليف والشروط والإملاءات، لا تلبث أن تتبدّد على وقع تصريحات تصدر عن قيادات ونواب هذه الأكثرية الجديدة، لأنها تصبّ النار على زيت الأزمة، بدلاً من أن تطرح مبادرات إيجابية تساعد على حلحلة العقد والخروج من نفق أزمة فراغ الحكم المستمر منذ أن تسلّمت هذه الأكثرية زمام المبادرة، ورفعت شعار التغيير نحو الأفضل.
وفي ظل هذا الجو السائد، لم يقطع الرئيس المكلّف الأمل في إمكانية تجاوز هذه الأزمة من خلال تليين مواقف قيادات االاكثرية الجديدة المعترضة على أسلوبه في التعاطي مع الملف الحكومي، وحملها بالتالي على تقبّل الواقع الذي يفرض عليه كمسؤول عن تشكيل حكومة تلمّ الشمل وتمنع الفرز الطائفي، وتُبعد الانفجار الداخلي، وترضخ لمنطق الدولة والعبور إليها، وبالتالي تتخلى عن ذهنية المنتصر الذي يريد أن يحوّل انتصاره إلى هزيمة للاخرين من خلال الإمساك بكل مفاصل الدولة بواسطة حكومة يكون له كل السيطرة عليها.
وتشير آخر المعلومات إلى أن الاتصالات التي استؤنفت بين الرئيس المكلّف وبين الخليلين بوصفهما المفاوضين عن الأكثرية الجديدة وكان آخر إجتماع الذي عقده أمس الأول لم يحرز أي تقدّم على صعيد حلحلة العقد الذي يضعها فريق الخليلين في وجه التأليف، لا على صعيد تمثيل المعارضة السنّية حيث تبلّغ الرئيس المكلّف من الخليلين بأن الأكثرية الجديدة ما زالت تتمسك بتوزير فيصل كرامي، ولا على صعيد مطالب العماد عون المتعلقة بعدد الوزراء، والحقائب الوزارية، حيث لا يزال العماد عون بعدما تم تجاوز عقدة الداخلية يصرّ على أن يستأثر بجميع الوزراء الموارنة وبحقائب الدفاع والعدلية والاتصالات والطاقة والشؤون الاجتماعية، كما لا يزال يرفض أي حصة لرئيس الجمهورية، كذلك تبلّغ الرئيس المكلّف من الخليلين أن الأكثرية الجديدة، ترى أن مطالب العماد عون هي من حقه ولا يجوز أن توضع في خانة المطالب التي يمكن التفاوض حولها ودفعه الى تقديم تنازلات، وهي الأكثرية لا يسعها إلا أن تتضامن معه في ما هو حق له، وترفض بقوة أية خطوة يُقدم عليها الرئيس المكلّف بالاتفاق مع رئيس الجمهورية تشكل تجاوزاً للحقوق العونية.
كذلك الأمر بالنسبة إلى ما يُحكى عن حكومة تكنوقراط إنتقالية للخروج من مأزق التأليف، فقد كشفت المعلومات التي تسرّبت عن هذا اللقاء أن الخليلين حذّرا رئيس الحكومة من التورّط في خطوة من هذا النوع لأنها مرفوضة من الأكثرية، وستردّ عليها بحجب الثقة عن الحكومة وإسقاطها في مجلس النواب.
وفي سياق هذا الإنسداد لأفق الأزمة الحكومية نقل زوار الرئيس ميقاتي أمس نظرة سوداوية عن الحالة التي يمر بها البلد، حيث لم يحصل أي تقدم على صعيد الاتصالات للخروج من أزمة التأليف، وكأن الأزمة الحكومية تحوّلت إلى أزمة حكم بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى، وربما كان القصد من وراء التعقيدات التي وضعت في وجه الرئيس المكلّف الوصول إلى هذه الحالة.