كتب حسين زلغوط في صحيفة "اللواء": كان يعلم رئيس مجلس النواب نبيه بري مسبقاً أن الرياح النيابية لن تكون كما تشتهي سفنه في ما خص التوجه لابتداع فتوى قانونية ودستورية تمكّنه من الدعوة لعقد جلسة تشريعية عامة في ظل حكومة تصرّف الأعمال للنظر في بعض المواضيع العامة والملحّة والتي تبدأ بقضية حاكم مصرف لبنان الذي يقف على عتبة نهاية ولايته في تموز، ولا تنتهي عند ملف السجون الذي بات يشكل قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أية لحظة.
لكن الرئيس بري المعروف عنه باستشعار الأمور عن بُعد، أراد من خلال دعوته هيئة مكتب المجلس ولجنة الإدارة والعدل للالتئام برئاسته حول هذا الأمر توصيل رسالة إلى من يفهم الأمر مفادها أن المجلس سيّد نفسه، وأنه في استطاعته إذا ما تم تجاوز الخلافات السياسية ابتداع الأفكار الملائمة التي تمكّنه من ملء الفراغ الحاصل نتيجة تأخر تأليف الحكومة والذي بدأ يرخي بظله الثقيل على كافة القطاعات والمرافق في البلاد.
وإذا كان رئيس المجلس قد أعطى الكتل النيابية مهلة عشرة أيام بعد أن استمزج رأيها الأولي بالدعوة لعقد جلسة عامة، لكي تتمكّن من درس هذه الدعوة من الناحيتين القانونية والدستورية قبل إبداء رأيها النهائي، فإنه مصرّ وفق مصادر نيابية على توجيه الدعوة بعد هذا التاريخ وسيضع الجميع أمام مسؤولياتهم وساعتئذٍ سيُبنى على الشيء مقتضاه، كون أن قرار عقدها أو عدمه يعود في النهاية إلى رئاسة المجلس، التي ترفض أن يبقى البلد متروكاً في مهب الفراغ مع وجود الكثير الكثير من المشاريع واقتراحات القوانين المهمة التي تحتاج للمناقشة والمصادقة عليها.
وأبدى الرئيس بري أمام نواب التقاهم في المجلس أمس استغرابه كيف أن الفريق السياسي الذي كان دائماً يتهمه بإقفال المجلس وبتعطيل العمل التشريعي ويطالبه بالدعوة إلى عقد جلسات عامة هو الفريق نفسه الذي يقف اليوم معترضاً على الدعوة لعقد جلسة عامة، معتبراً أن هذا الفريق يخلط بين العمل السياسي والخلافات الدائرة وبين العمل التشريعي والدستوري، مشدداً على أنه لن يرضى بأن يبقى الوضع على ما هو عليه في حال طال أمد تألف الحكومة العتيدة، لأنه لا يجوز ترك البلد يقع فريسة للفراغ القاتل.
وكان الرئيس بري رأس أمس في المكتبة العامة للبرلمان اجتماعاً مشتركاً لهيئة مكتب المجلس ولجنة الإدارة والعدل، وقد حضر هذا الاجتماع حشد نيابي من ضفتي 8 و14 آذار حيث أدلى كل نائب بدلوه حيال قانونية ودستورية الدعوة لعقد جلسة عامة في ظل حكومة تصريف أعمال، وقد انقسم الرأي بشكل واضح بين مؤيّد ومعارض لهذه الفكرة، وقد تسلح كل فريق بما يملك من فتاوى بقيت في اغلبيتها تحت المظلة السياسية بمعنى أن كل نائب غنّى على ليلاه السياسي من دون الالتفات إلى ما يمكن أن تشرّعه القوانين في مثل هذه الحالات الراهنة التي يعيشها الواقع السياسي في لبنان.
وقد حرص الرئيس بري وفق مصادر نيابية على التشديد في بداية كلامه على التوافق والمحبة لحل كل القضايا التي تواجهنا، وأنه قام بعرض وجهات النظر قبل أن يبدي النواب مواقفهم، مستعيناً بالكثير من الأفكار والطروحات الدستورية والقانونية التي تشرّع التئام المجلس بجلسة عامة للبت ببعض القضايا الملحّة، وهو أكد أمام النواب على أن المرحلة الراهنة تتطلب انعقاد جلسة تشريعية.
وفي المعلومات أن نواب الأكثرية الجديدة قد وقفوا خلف موقف الرئيس بري مستندين إلى سوابق دستورية وجلسات تشريعية انعقدت في ظروف مماثلة، في حين أن نواب "14 آذار" رأوا بأن لا ميثاقية لأي دعوة لجلسة عامة ما دامت الحكومة مستقيلة وتقضي فترة تصريف أعمال، غير أن رئيس لجنة الإدارة والعدل النائب روبير غانم القريب من هذا الفريق غرّد بعيداً وبدا منحازاً إلى الدعوة لعقد جلسة تشريعية، مستنداً في موقفه على المادة 70 من الدستور التي تقول: "لمجلس النواب أن يتهم رئيس مجلس الوزراء والوزاء بارتكابهم الخيانة العظمى أو بإخلالهم بالواجبات المترتبة عليهم ولا يجوز أن يصدر قرار الاتهام إلا باغلبية الثلثين من مجموع أعضاء المجلس."
وتساءل كيف يحق لمجلس النواب أن يحاسب وزير في حكومة تصريف أعمال، ولا يستطيع أن يعقد جلسة تشريعية مع وجود حكومة تصرّف الأعمال.
وأكدت المصادر النيابية أن المناقشات لم تخرج من تحت سقف الهدوء والإيجابية، وأن الكلام تركز على الاجتهادات والآراء الدستورية، لكن المواقف انقسمت بين مؤيّد ومعارض لفكرة الرئيس بري وكان في طليعة المعارضين النائب مروان حمادة والنائب أحمد فتفت.
وشددت المصادر على وجود قناعة لدى الجميع بأن البلد لا يُحكم إلا بالتوافق الذي في بعض الأحيان يكون أهم من الدستور.
ولفتت إلى أن رئيس المجلس ردّ على كل موقف بموقف، مع تأكيده المستمر بأن الظروف الراهنة تستدعي تجاوز بعض الأمور لتكون متاحة في هذه المرحلة التي تمر بها البلاد. وتوجه إلى النواب المعارضين بالقول: حيرتونا إذا حافظنا على المجلس تقولون أننا نقفله، وإذا دعونا لأن يأخذ المجلس دوره ترفضون وتتحدثون عن اللاميثاق، يبدو أنكم لا تريدون أن تشتغلوا.
وبعد المناقشات التي استمرت لأكثر من ساعة وربع الساعة، لمس الرئيس بري بأنه من الصعب الوصول إلى توافق في ظل الانقسام الذي ظهر وقد أعطى النواب مهلة عشرة أيام لأخذ وقتهم في الدرس قبل أن يحملوا إلى اجتماع ثانٍ مواقفهم الأخيرة المعلّلة من انعقاد الجلسة العامة، حرصاً منه على تأمين التوافق حول هذا الموضوع من جهة ولكي لا يبقى المجلس شاهد زور حيال الضائقة الاقتصادية والملفات الملحّة التي تحتاج إلى معالجة.
وأفاد بيان رسمي مقتضب في أعقاب الاجتماع أنه تم خلال الاجتماع التشاور في شأن الوضع العام في البلاد، وتركز على الشؤون الملحة التي من الضروري إيجاد حل لها كموضوعي السجون وحاكمية مصرف لبنان وأن التشاور مستمر في محاولة لتأمين الموقف، والفرصة المتاحة لذلك عشرة أيام.
وعُلم أن النائب علي حسن خليل تقدم باقتراح قانون إلى رئاسة المجلس يرمي إلى استمرار العمل في حاكمية مصرف لبنان إلى حين تأليف الحكومة، على غرار ما هو حاصل بالنسبة إلى المجلس الدستوري.
كما تقدم النائب ميشال موسى باقتراح قانون حول إعفاءات في بعض العقوبات التي لا علاقة لها بالجرائم الكبرى كالقتل والمخدرات، إضافة إلى تعديل المادة 108 من قانون العقوبات.
وفور انفضاض اجتماع هيئة مكتب المجلس انتقل الرئيس بري والنواب من قاعة المكتبة في مبنى مكاتب النواب إلى مقر البرلمان حيث التأم لقاء الأربعاء النيابي الذي تمحورت أحاديثه حول حاكمية مصرف لبنان التي شارفت ولايتها على الانتهاء وموضوع السجون، كما تناول الحديث ا قتراحي النائبين خليل وموسى في هذين الموضوعين، كذلك جرى عرض لمسار مناقشات اجتماع هيئة مكتب المجلس، فضلاً عن بعض القضايا الاقتصادية والمعيشية الملحّة.
ولوحظ أن لقاء الأربعاء لم يتطرق إلى الشأن الحكومي وبرر بعض النواب ذلك لعدم حصول أي تطور يستأهل التطرق إليه، مؤكدين أن الموضوع ما زال في دائرة المراوحة.