ما عدنا في حاجة إلى مزيد من الشواهد الدّالة إلى الحالة التي آل إليها لبنان الراهن.. وإلى المستقبل القريب الذي يعدّه له الممانعون. فتلك بانت وفاضت وسرحت على هواها معلنة دخولنا عصر الانقلاب المسلّح، أو الشروع في تلك المحاولة رغم عُقم النتيجة المعروفة سلفاً.
ذلك العُقم لا يلغي الإصرار على التجربة. وكأنّ أهل الممانعة قرّروا أخيراً "حسم النقاش"، وإنهاء مفاعيله، وعدم الاعتداد بأي حجّة لإيصال الرسالة. ما عاد الهمّ التبريري عندهم قائماً وموجوداً حتى بالطريقة التي كان عليها سابقاً، والذي كان يستند إلى مدوّنة سلوك مستندة بدورها إلى السلاح والآلة الحربية. ونقطة على السطر.
يخرج الشتّامون من دائرة الحكي إلى الفعل.
كانوا سابقاً، يواجهون الحجّة المتينة بالشتيمة وسقط الكلام. ويواجهون ضمور بيانهم بإطلاق مفردات تخوين واتهامات سافرة وممجوجة ولا تقنع أحداً. وكانوا بعد ذلك، يعلّقون على حبال المقاومة، كل غسيلهم السلطوي وممارساتهم المافيوزية، وسلاطة الخطاب. وكانوا يصرخون أكثر فأكثر بصوت عالٍ، وكلما ارتفعت وتيرة ذلك العلو نزلوا درجة إضافية إلى الأسفل..
لكنهم ومنذ "مشوار" أصحاب القمصان السود دخلوا في مرحلة تنفيذية. وصار الذي يلي الجرأة على كسر الدستور والأعراف والموازين المحلية والخارجية، متمّماً فرعياً لذلك الجذر، ومتمّماً هامشياً لذلك الأصل.
ينزلون إلى الأرض لتعطيل لقاء سياسي ثقافي تضامني (بغضّ النظر عن موضوعه) ويهدّدون بكل شيء لتعطيل ما يعتبرونه اشتراكاً في "المؤامرة" وتدخلاً في شؤون دولة جارة (وأي نكتة فصيحة هذه؟) فيما هم قبل مدّة وجيزة أطلقوا أحكامهم الاصطفافية وما سألوا عن شيء، ومَن لا يعجبه ذلك، فليبلّط البحر، أو يروح يشتغل في معامل تحلية مياهه.
تفاصيل كثيرة وفيرة أخرى، تدلّ في محصّلتها إلى أنّ الإخوان في الممانعة ولجوا في مرحلة تنفيذية مصحوبة بحالة توتر ذاتي أكبر من تلك التي مرّوا بها على دفعات في السنوات الست الماضيات. وواقع الحال يفيد، انّ ذلك التوتر في مكانه تماماً بتاتاً. إذ إنّ شيئاً أساسياً مفصلياً في معاركهم لم يتحقق بالطريقة التي أرادوها. وبعضه لم يتحقق أبداً، بل تحقق العكس تماماً. ولا داعي للتكرار وإضاعة الوقت في العدّ الاستراتيجي.
.. حتى الانقلاب الراهن يبدو مكربجاً رابضاً في مكانه. يعسّ، ويذوي، ولا ينتج إلا ضرراً عاماً. والنتيجة طبيعية، حيث أنها وليدة قُصر نظر سياسي، وحسابات بُنيت على أساس أنّنا في بلد آخر غير لبنان! وعلى أساس أنّ القوة المسلّحة كفيلة بتعديل كفّتي الميزان: القانون والشرعية والدستور والتنوّع اللبناني والشرعيّة الدوليّة في كفّة، ومخازن الصواريخ والقمصان السود في كفّة أخرى!
لم يمشِ الحال ولن يمشي.. ولو كان المنطق السليم (شقيق حليم) هو الفيصل والحكم، لكانت دعوة الممانعين إلى مراجعة نقدية ذاتيّة فعّالة وفعلية، في مكانها. لكن ذلك المنطق عندهم ذهب منذ العام 2005 في إجازة مفتوحة، ولا أحد يعرف متى تنتهي!
لا يلغي ذلك وغيره، أنّ المحاولة مستمرّة لوضع المستحيل في مصاف الممكن.. وآخر خبريّات ذلك الطقس العبثي تفيد أنّ هناك مَن وضع "خططاً" لانقلاب فعلي في حال انقلبت المعطيات المجاورة في اتجاه آخر باعتبار أنّ الحزب المسلّح لن يسكت؟!
قصة "البريستول" بالأمس هيّنة وبسيطة ازاء ما سبقها وما سيليها..
يا ساتر يا رب!