اذا كان البعض يعتقد ان تجمّع 8 آذار، منزعج، وقلق، ولا ينام الليل، بسبب عدم تشكيل الحكومة، فانه حتماً هو على ضلال مبين.
واذا كان يظنّ، ان التجمّع ايّاه، يحمل همَّ اللبنانيين في هذه الايام الصعبة على جميع المستويات، ويعدّ الساعات والدقائق حتى تتشكل الحكومة وتنفرج عند الناس، فانه يكون يعيش خارج هذا الوطن، ولا يقرأ او يسمع شيئاً مما يدور حوله.
واذا كانت قوى 14 آذار – وانا كما هو معروف «اربعتش اذاري» اصلي لا تايوانيا – تحسب انها سوف تستعيد الحكومة مجدداً بعد فشل 8 آذار في تشكيلها، لتعبر منها وبواسطتها الى الدولة، فان حساباتها تكون خارج الزمان والمكان والواقع، لأن 8 آذار ستكون في قلب هذه الدولة وتجوّفها وتأكل عافيتها كما يحدث اليوم، وكما حدث منذ العام 2005.
8 آذار، كما هو حاصل وظاهر، ليست بحاجة الى دولة ولا الى حكومة لتحكم قبضتها على البلد والشعب، ومن يتابع تصرّف هذا التجمّع وخطابه، خصوصاً عند النافذين منه، تتأكد له الحقائق الآتية:
ما نفع الدولة والحكومة، اذا كان تحرّك القوى الامنية والقضاء وحتى الجيش لا يتم الاّ بموافقة وتنسيق مع حزب الله او التيار الوطني الحر.
ما نفع الوزارات، اذا كان وزير محسوب على تجمّع 8 آذار يرفض ان يطبق القوانين ويحجز الاموال العامة، ولا يردّ على رئيس حكومته، ويتصرّف في وزارته كما يتصرّف الملوك والرؤساء الى الابد في شؤون رعاياهم.
ما نفع الحريات والديموقراطية، اذا كان وزير في هذا التجمّع المركّب، يعتبر ذاته ملاكاً وسوف يترقّى الى مرتبة آله، يمنع صحافياً من دخول مبنى وزارة بني بأموال الشعب وليس بأمواله او اموال والده او عمّه.
ما نفع وجود دستور وقوانين وقضاء وقوى أمن، اذا كان ممنوعاً على فريق من اللبنانيين ان يعبّروا عن رأيهم في شكل حضاري، وضمن جدران اربعة، بوجود فريق آخر يهدده بالساطور والعصي والرصاص. وما نفع وجود هؤلاء، اذا كان مغتصب ارض او بناء، او اذا كان قاتل او لص او تاجر مخدرات، او متعامل مع اسرائيل، يجدون من يحميهم ويغطيهم ويدافع عنهم.
ما نفع الاجراءات الدستورية والحقوق التي اعطيت الى رئيس الجمهورية والى المكلّف تشكيل الحكومة، اذا كان بعض رؤساء الاحزاب والكتل في تجمّع 8 آذار يريدون الاستيلاء على هذه الحقوق والاجراءات ليفرضوا الاشخاص والحقائب التي يريدون، والاّ «عمرو ما كانت حكومة».
بعد كل هذه الوقائع المعيوشة على الارض، والتي لا حلّ لها في المديين القريب والبعيد، بسبب وجود قوّة تفوق قوة الدولة بأضعاف، هل تعتقد قيادات 14 آذار انها قادرة على انتشال الزير من البير، ان هي اصبحت اكثرية مجدداً و«سمح» لها بأن تشكّل حكومة جديدة لتعبر مع الشعب الى الدولة المرجوّة القائمة على القوّة العادلة والحرية المسؤولة، والديموقراطية الصحيحة، والسلم والأمان.
بعض المسؤولين الاوادم، تخفيفاً لوقع المصيبة على الناس، يصفون الوضع الحالي بالصعب، بدلاً من ان يقولوا انه كارثي، والكارثة كامنة في الاوضاع السياسية والامنية والاقتصادية والمالية، وفي المؤسسات العامة والوزارات، وفي علاقات لبنان الخارجية بوجود وزارة خارجية تغرّد خارج سلطة الدولة ومسؤوليها، اضافة الى علاقتها السيئة بالمنتشرين اللبنانيين في مختلف انحاء العالم، ولم يكن ينقص لبنان سوى عودة التحرّك الفلسطيني على ارضه، مع اعلان بعض المنظمات ان المواجهة المسلّحة مع اسرائيل اصبحت على الابواب، وهذا يعني ببساطة ان البعض في الخارج والداخل بدأ يحضّر لبنان ليصبح ساحة من جديد، والساحة تعني جبهة، وبعض الجبهات يفتح او يستحدث لتخفيف الضغط على جبهات اخرى، وهناك من يعتقد او يراهن على ان المناعة الوطنية قد ضعفت عند اللبنانيين، خصوصاً لدى المسيحيين، بسبب الهجرة الكثيفة الى الخارج والانقسام الداخلي العميق، والظرف الحالي مؤاتٍ لاعادة التاريخ الى العام 1969، وما بعده.
هذه الصورة السوداوية، ليست وليدة مخيّلة، بل هي حقيقة يلمسها المواطن ويعرفها المسؤول، امّا الذين يهوّنون الامور ويحاولون تبليع الناس ان كل شيء على ما يرام، فهم تأكيداً يراهنون على خراب لبنان ليحققوا اهدافهم، ولمَ لا، ألم يقل أحدهم مرّة ان بيروت دمّرت سبع مرات ولا بأس لو دمّرت مرة ثامنة.