#adsense

الحيرة المؤذية

حجم الخط

الاحداث والتطورات حولنا من تونس الى مصر وليبيا وسوريا، من اهدافها تحقيق بعض ما نتمتع به في لبنان سواء على صعيد الحريات الفردية او حرية التعبير او حتى انظمة الانتخاب، وان يكن قانون الانتخاب في لبنان في حاجة ماسة الى التعديل واعتماد النسبية كي لا يكون هنالك طغيان لأي فئة على نتائج الانتخاب.

والتطورات، ولاسيما في سوريا ومصر، كان يفترض ان يكون لها مفعول ايجابي على لبنان، والعكس حصل، وخصوصا مع زيادة صعوبة نقل المنتجات اللبنانية عبر سوريا الى الاسواق العربية. والتدفق الرأسمالي الاستثماري توجه اصحابه الى دبي في المقام الاول، التي عانت كثيراً من انهيار الاسواق المالية عامي 2008 و2009 والتي لم تتجاوز مستوى الخطر الا بدعم كبير من امارة ابو ظبي التي وفرت المساعدات لدبي، في مقابل منافع تملكية، افسحت في المجال لدبي لتتجاوز المرحلة الصعبة.

اليوم، صورة لبنان الزاهية مركزا للاستثمار والنشاط والعيش والتفاعل صارت باهتة. وفي حين استفاد لبنان واللبنانيون من كل الازمات التي طرأت خلال القرن الحادي والعشرين سواء بسبب هجمات 11 ايلول 2001، او الازمة المالية العالمية، وتعثر دبي ولو الى حين، يبدو ان قدرة الجذب قد تحللت وتبخرت، وهذه خسارة كبيرة لبلد استفاد دوماً من تدفق الاموال والخبرات والتطورات التقنية التي عدلت في انظمة العمل وساهمت في رفع الانتاجية، مثل تعميم اعتماد الحواسيب الالكترونية، والاتصالات والبرامج التلفزيونية، والتواصل عبر الانترنت… الخ.

لقد كان لبنان سبّاقاً في اعتماد وسائل الاتصال الحديثة واستطاع عبر ادخال انظمة التخابر الخليوي اختصار الزمن المطلوب لإنهاء الشبكات الارضية، والبداية كانت عام 1993 ومذذاك باتت خدمات الهاتف الخليوي في لبنان الاسوأ، وقد تردّت الخدمات في الاشهر الاخيرة بشكل مريع، وهي الاغلى بين مختلف بلدان المنطقة.

وعلى قياس سرعة التواصل بالانترنت، وهذه السرعة حيوية لحاجات المؤسسات والافراد، يصنف لبنان بانه البلد الذي يوفر أبطأ خدمة في العالم في مقابل تكاليف مرتفعة، وفي جدول تصنيف الدول على صعيد خدمات الانترنت، يحتل لبنان المركز الـ220 بعد هايتي وموزامبيق، وفي احيان كثيرة لم يعد لبنان يحتل أي مركز.

اننا نطلب من الوزير المقتدر علمياً والمنزه اخلاقياً شرح اسباب تردي الخدمات، وهو منذ مدة يعلن عن تحسن في موعد، وخفض في تكاليف المخابرات، والمواعيد تؤجل والتكاليف ترتفع بسبب تقطع المخابرات.
والوزير يعلم ان وسائل الاتصال الحديثة والسريعة ذات الكلفة المعقولة هي اداة عمل اساسية سواء في مجالات العمل المصرفي والمالي او مجالات الاتصالات، او الاستشارات، او المقاولات، وتردي هذه الخدمات يظهر بشكل واضح في وسط بيروت، الامر الذي يبعث على التساؤل عن القصد من اعاقة هذه الخدمات في المنطقة التي تعج بالمصارف، وبيوتات التمثيل المالي والاستشاري الدولية.

ليست الاتصالات وحدها التي تشكو من التردي المريع والمكلف للمشترك والفرد والاقتصاد ككل، بل هنالك ايضاً موضوع توافر المياه بانتظام للمزارعين والمشتركين في المنازل، وامدادات الكهرباء وما ادراك بتردي هذه، والوزير يؤكد ضرورة ايقاف معمل الزوق مدة تسعة اشهر لأعمال اعادة التأهيل والصيانة، وهذه الامور كانت معروفة منذ سنوات وسنوات، فلماذا كان التأخير حتى تاريخه، ما هو السبب وما هو الغرض؟

امور كثيرة تشابه اوضاع التردي المشار اليها وتتآكل صورة لبنان الحداثة والتوثب، وإزاء التعقيدات السياسية والمَطالب الملحقة بها، يتساءل اللبناني العادي كيف هو البلد مستمر، بنقد ثابت ودورة اقتصادية غير واعدة، انما يمكن استشعار نبضها.

البعض يرتاح الى ان بلجيكا استمرت من دون حكومة قرابة سنة، ومعلوم ان النزاعات في بلجيكا هي في الاساس طائفية، رغم ان بروكسيل تستضيف المؤسسات الرئيسية للاتحاد الأوروبي، واوروبا تفاخر بتجاوزها اعتبارات الطوائف.

والصعوبات السياسية لبلجيكا لم تمنع اجهزة الحكومة من العمل والسير بالمشاريع واستقطاب الشركات والاستثمارات. فالنظرة الى بلجيكا، سواء اكانت بحكومة أم من دون حكومة هي انها بلد حديث على صعيد المؤسسات الامنية والمالية والتشريعية والقضائية. ان جميع هذه المرتكزات ليست عرضة للتساؤل والتخمين، فهي من اسس الحياة المجتمعية المطمئنة في هذا البلد الصغير.

على العكس تماماً، يبدو تعطيل انجاز الحكومة في لبنان وكأن القصد منه تعطيل الحياة الاقتصادية والى حد ما عمل السلطة التشريعية. والنظرة الى لبنان باتت نظرة اشفاق واستهجان عوض ان تكون نظرة اعجاب واطمئنان.

حقوق الملكية الخاصة صارت معرضة للانتقاص، والتبريرات التي استند اليها المخالفون أسوأ من ذنب المخالفة، والبلد يبدو كأنه يسير نحو اللاقانون، واللاإدارة واللاخدمات، ومهما اراد وزراء الخدمات تبرير تقصيرهم حتى تاريخه يجب ان يدركوا انهم ساهموا ويساهمون كل يوم في تأخير قيامة لبنان سياسياً واقتصادياً.

والرجاء الملح لدى كل وزير يتحدث عن انجازات، ان يوفر البرهان على صعيد التنفيذ وتوافر الخدمات بشروط تساهم في زيادة الانتاج وشبك مصالح اللبنانيين مع دولتهم لا استهداف بعض الفئات وحرمانها لان فئات كانت محرومة يوماً ما.

وقت الصحوة من غيبوبة القرون الوسطى يدق ابوابنا عبر مصر، وتونس، وليبيا، وسوريا وحتى اليمن، فهل من صحوة؟

المصدر:
النهار

خبر عاجل