انعكس السجال السياسي الخارج عن المألوف على الساحة السياسية المرتبط بعملية تشكيل الحكومة وما يرافقها من أخذ وردّ،على المعسكر الدرزي داخل قوى 8 آذار التي تعيش حالة انقسام بين النائب وليد جنبلاط الحليف الأساسي للرئيس المكلّف نجيب ميقاتي،والذي كانت له اليد الطولى بتكليفه ويقف إلى جانبه في هذه المرحلة الحساسة من جهة،والنائب طلال إرسلان والوزير السابق وئام وهاب،من جهة أخرى.فالأقطاب الدروز الثلاثة يختلفون على الكثير من النقاط ويتفقون على بعضها.ومن بين نقاط الاتفاق:
وحدة الطائفة،وهذا الأمر غالباً ما يحصل في الشدائد والمحطّات الصعبة التي تتعرّض لها الطائفة،ما يستوجب من القيادات الدرزية التوافق والالتفاف في ما بينهم لمواجهة هذه التحدّيات بشكل موحّد.
إجماع في هذه المرحلة بين النائبين جنبلاط وإرسلان والوزير السابق وهاب على دعم النظام السوري تجلّى في الزيارات التي قاموا بها شخصياً أو عبر موفدين إلى دمشق وجبل الدروز،لحضّ أبناء الطائفة على ضرورة الالتفاف حول القيادة السورية الحالية في هذه المرحلة المصيرية،لا سيما وأن الطائفة الدرزية تعتبر من الأقلّيات المتواجدة في هذا الشرق،ولهذا زار وفد درزي من مدينة السويداء الرئيس السوري بشار الأسد معلناً تضامنه وتأييده له.
هذا بالإضافة إلى الزيارة الأسبوعية التي يقوم بها كل يوم سبت أو أحد "مهندس" العلاقة الجنبلاطية ـ السورية الوزير غازي العريضي إلى المعاون السياسي للرئيس الأسد اللواء محمد ناصيف (أبو وائل).
أما على صعيد التباين السياسي داخل البيت الدرزي،فيبدو في هذه المرحلة من خلال الموقف تجاه الرئيس المكلّف ميقاتي المدعوم من النائب جنبلاط،والذي يتعرّض لحملة عنيفة من قبل الوزير السابق وهاب والنائب إرسلان بغية حمله على التنحّي،وكان آخر من طالب ميقاتي بالاعتذار النائب فادي الأعور المحسوب على النائب إرسلان،وهناك من يؤكّد أن هذه الحملة أتت إثر الخلاف الحاصل على من سيتولّى الحقائب الوزارية وكيفية توزيعها،لا سيما وأن النائب جنبلاط قال في مجلس خاص أنه لن يقبل اليوم بإعطاء النائب إرسلان أي حقيبة وزارية من الحقائب المحسوبة له.
وبهدف ترتيب البيت الدرزي، وخصوصاً لجهة وجود شيخين للعقل، فقد حصلت بعد مصالحة النائب جنبلاط مع النائب إرسلان ومع الوزير وهاب إجتماعات ولقاءات بقيت بعيدة عن الأضواء،وكان الوضع فيها يصبّ دائماً لمصلحة إرسلان ووهاب قبل أن تتم المصالحة بين جنبلاط ودمشق، بحيث أن الأمور اختلفت بعد هذه المصالحة،كون سوريا تعتبر أن جنبلاط "بات في جيبها" وهو الأقوى درزياً،لذلك فهي لم تعد متحمّسة لإعطاء إرسلان ووهاب المزيد من المكاسب في هذا الملف،الأمر الذي فرمل عملية إيجاد الحل النهائي لموضوع مشيخة العقل،وانعكس هذا الواقع خلال التحضير للقمة الروحية في بكركي،حيث حصلت إتصالات ومشاورات سعت إلى إشراك شيخ العقل ناصر الدين الغريب المعيّن من قبل النائب إرسلان،إلا أن هذه الاتصالات فشلت ولم تتم دعوة الشيخ الغريب إلى القمة التي تمثّلت فيها الطائفة الدرزية بالشيخ نعيم حسن.
وفي موضوع التعيينات الإدارية،فمن المرجّح أن تحصل عملية "شدّ حبال" بين الأقطاب الدروز لتسمية المحسوبين عليهم،فبعد تقاعد قائد الشرطة القضائية العميد أنور يحيى توافق جنبلاط وإرسلان على تعيين العميد صلاح عيد مكانه،وهو سيبلغ بعد عدة أشهر السن القانونية أيضاً.أما مقعد رئيس الأركان في الجيش اللبناني فلا يزال شاغراً حتى الآن بعد إحالة العميد شوقي المصري إلى التقاعد.
والسؤال الذي يطرح نفسه يتناول مستقبل العلاقة بين الأقطاب الثلاثة في حال استمر إرسلان ووهاب في حملتهما على الرئيس ميقاتي بهدف تنحيته وإسقاطه.وهل سيبقى الملف الدرزي عالقاً لفترة طويلة في ضوء أنقطاع اللقاءات الأسبوعية بين جنبلاط وإرسلان،إضافة إلى أن مساعي المصالحة بين إرسلان ووهاب لم تصل إلى خواتيمها الإيجابية،لا بل إن الأمور تأزّمت بعد ما نشر في "ويكيليكس" عن لسان إرسلان للسفيرة الأميركية ميشال سيسون "أن وهاب رجل تافه" ما استدعى ردّاً عنيفاً من مكتب وهاب على إرسلان توقف بعده السجال بناء لنصائح وتمنيات من مقربين من الرجلين.