كتب محمد بركات في صحيفة "الراي" الكويتية: الطريق إلى البقاع اللبناني (شرق) غير مزدحمة هذه الأيام، ومعبر المصنع الحدودي في أسوأ حالاته، على ما يقول مصدر موثوق به لـ"الراي": "الحركة تراجعت نحو 70 في المئة في الشهرين الفائتين، وهو أمر لم يسبق أن حصل حتى في أيام الحرب".
الصورة التي يعرفها اللبنانيون عن ازدحام الشاحنات على طريق ضهر البيدر، الممرّ المؤدّي إلى الحدود اللبنانية السورية، والازدحامات على معبر المصنع الحدودي الرسمي الذي يصل لبنان بسورية، والبقاع بالعاصمة السورية دمشق، هذه الصورة مختلفة اليوم.
لا ازدحامات ولا شاحنات تتسابق على الطريق. بعض الشاحنات فقط، وسيّارات أقلّ، وفانات أقلّ وأقلّ، تقلّ ركاباً من البقاع إلى بيروت، أكثرهم من الزوّار السوريين، بين عمّال وسيّاح.
العمّال السوريون توقفوا عن المجيء إلى لبنان. يفضّلون البقاء مع أسرهم في ظلّ الأخبار المتواترة عن "البلطجية والشبيحة"، على ما يقول أحد السوريين الذين كانوا يستعدّون للمغادرة: «سنذهب لزيارة عائلاتنا، وقد نمنع من العودة إلى لبنان مثلما حصل مع كثيرين غيرنا»، يقول رافضاً نشر اسمه.
الموقف المخصّص للسيارات السورية في ساحة شتورة شبه خالٍ. لا ركّاب، والسائقون يتناطحون على كلّ عابر علّه يكون من "العملة النادرة" المتوجّهة إلى سورية. وكلّما عبر فرد أمامهم يتعبونه بالصراخ: "الشام، ماشي فوراً، الشام أستاذ، أستاذ الشام"، إلى أن يكمل طريقه فيعرفون أن لا فائدة منه ولا طائل.
الباصات السورية التي شاهدها أهالي البقاع تتحرّك في الأيام الأخيرة هي تلك التي توجّهت إلى المخيمات الفلسطينية ونقلت سكّانها إلى الحدود الأخرى، حدود الجنوب، الحدود اللبنانية الإسرائيلية، حيث سقط منهم عشرة قتلى وأكثر من مئة جريح في 15 ايار، في ذكرى النكبة.
غير ذلك لا عمّال سوريين في البقاع هذه الأيام. هناك فقط العاملون بـ"الفاعل"، الموسميون، الذين يبدأون بالتوافد إلى البقاع في شهر حزيران. هذه السنة بكّروا، وبدأوا بالتوافد إلى البقاع منذ نيسان. وتصل اعدادهم، على ما يقول المتابعون والعارفون بأمور البقاع، الى نحو 10 آلاف من البدو، حاملي الجنسية السورية.
هؤلاء يأتون إلى حقول يعرفون مالكيها، في قرى محدّدة، ويعملون في الموسم الزراعي منذ عقود، ويعودون إلى سورية مع انتهائه. وبذلك، لا يحتسبون من "النازحين" ولا من "العمال" لأنّهم جزء من المشهد البقاعي السنوي. يعيش معظمهم في خيم أو في منازل مصنوعة على عجل من ألواح الزينكو.
أما في ساحة شتورة، قلب البقاع، التي كان يصعب اجتيازها بسبب كثرة السيارات والناس، فعبورها بات سهلاً جداً في ساعات الذروة، عند الظهيرة. البقاعيون إمّا في متاجرهم واما في بيوتهم. واختفى الذين كانوا يفردون بسطات الخضر أو الفواكه أو السلع العادية على جانبي الطريق.
إذا دخلت مقهى أو منزلاً ستجد البقاعيين يتابعون لحظة بلحظة الأخبار في سورية. لا تعنيهم كثيرًا أخبار الحكومة اللبنانية، وإذا تشكّلت أو لا. همومهم "سورية" هذه الأيام، في هذه المنطقة الحدودية التي تعتاش من التواصل المزدهر بين البلدين. وإذا سألتهم سيكون الموضوع السوري شغلهم الشاغل.
ياسين خليل أحمد يملك فانا ويعمل على خطّ البقاع ـ دمشق. هو واحد من عشرات السائقين، مالكي الفانات وسيارات الأجرة، الذين يعملون على خطوط النقل بين لبنان وسورية. يقول "الأعمال تراجعت بنسبة أكثر من 90 في المئة منذ بدء المعركة في سورية"، والسبب؟ "السوريون لا يأتون إلى لبنان، واللبنانيون لا يذهبون إلى سورية، اللبناني خائف من تعرضه للخطر، والسوري يخاف ترك عائلته، والسوري العامل المقيم في لبنان يخاف السفر إلى بلاده فيمنع من العودة إلى لبنان".
ويستطرد "لماذا المكابرة؟ الزبائن السوريون هم الذين يشغّلون قطاع النقل في البقاع، والدكاكين والمطاعم أيضاً". هكذا يضع خليل أصبعه على الجرح، فآلاف العمال السوريين الذين كانوا ينتقلون يومياً من لبنان واليه هم الذي يشغّلون قطاع النقل البقاعي، الأكثر كثافة في لبنان كلّه.
زميله أيمن الميس الذي يملك عدداً من الفانات وموقفاً مخصّص لها، يحكي عن تراجع "يزيد على 60 في المئة"، ويعزو الامر إلى "الأزمة السورية، فعملنا يرتكز على السوريين وليس على الزبون اللبناني أو البقاعي".
آخرون من زملائهم رفضوا الحديث لأنّ فيه كلمة "سورية"، "ما خصّنا يا عمّي"، جملة مفضّلة حين تسأل البقاعيين عن سورية. هؤلاء الذين عايشوا "عنجر" لعقود، أي مركز القيادة المخابرات السورية في لبنان خلال العقدين الماضيين، قبل انسحاب القوات السورية من لبنان في نيسان 2005.
نتوجه إلى معبر المصنع الحدودي الذي كان يزدحم في شكل مزعج، حتى أنّ حادث سير واحداً كان يمكن أن يؤدي إلى سقوط قتلى بسبب الازدحام الكبير عليه، وقد سقط كثيرون في حوادث مشابهة في الاعوام الفائتة.
اليوم لا أحد هنا. فقط بعض السيارات التي قال لنا السكان إنّها "حزبية"، زجاجها يخفي من في داخلها، وتراقب الحركة أولاً بأوّل. حين وصلنا نزل شبّان من إحداها، هي المتوقفة على بعد أمتار من جنود الجيش اللبناني وعناصر الأمن العام اللبناني.
نزلوا وراحوا يراقبون الواصلين الجدد الذين يسألون ويستفسرون. وبدا واضحاً أنّ سياراتهم ليست سيارات تابعة لأجهزة أمنية لبنانية. أحد مرافقينا، من أبناء المنطقة، قال لنا إنّ "حزب الله" بدأ يحضر على الحدود وفي البقاع كلّه في شكل شبه علني منذ بدء الأزمة السورية"، واستطرد: "منذ 7 ايار 2008 تبيّن أنهم يسيطرون على البقاع كلّه، وفي الشهرين الأخيرين بات وجودهم الكثيف والواضح يخيف أهل المنطقة".
أثناء وقوفنا قرب نقطة المصنع سمعنا أكثر من مرة أصوات انفجارات لم نعرف ما إذا كانت ناتجة من قصف قرى في سورية أو اختراق طائرات اسرائيلية لجدار الصوت في أجواء البقاع. لكنّ أهل المنطقة قالوا إنهم يسمعونها يومياً، وأنّها صادرة من قرى سورية محاذية للحدود.
أهالي هذه القرى التي يتحدث عنها البقاعيون بحذر لم ينزحوا إلى البقاع اللبناني كما حصل في شمال لبنان، وتحديداً في وادي خالد. لا نازحين سوريين هنا. فقط بعض العائلات قال أفرادها إنّهم قرّروا تمضية بعض الوقت لدى أقاربهم اللبنانيين ريثما تنجلي الأمور في قراهم.
أحد المطّلعين على أحوال البقاعيين يقول إنّ "أحد أسباب تراجع الحركة على معبر المصنع هو وجود مئات الأسماء الممنوعة من دخول سورية أو المطلوبة لدى الأجهزة الأمنية السورية، ومعظم اصحابها من سكان البقاع". ويعني وجود اسم على الحدود في الجهة اللبنانية ان الشخص غير مرضي عنه في سورية، فإما يمنع من الدخول واما يتم توقيفه على الحدود إذا حاول دخول الأراضي السورية. وفي هذا السياق، يقول أحد الذين التقيناهم، وطلب طبعاً عدم ذكر اسمه، انه أوقف قبل أشهر على الحدود واتهم بانه "كادر في تيار المستقبل" الذي يتزعمه رئيس حكومة تصريف الاعمال سعد الحريري.
في مكان آخر، يشكو "الصرّافون"، وهم بالعشرات في شتورة والبقاع عموما، من تراجع أعمالهم بنسبة أكثر من 70 في المئة. من هؤلاء خليل الحمصي الذي يعمل في الصيرفة وبيع الذهب منذ أكثر من خمسة عشر عاماً. يؤكد إنّ الأعمال لم يسبق أن تراجعت في هذا الشكل، "منذ شهرين أو أكثر، أي منذ بدء الأزمة في سورية، الوضع جامد. لا أحد يصرّف عملة، لا لبنانيين ولا سوريين"، ويضيف «حتى أصدقاؤنا في مهن أخرى، مثل بيع أثاث المنازل أو مجال البناء، يشكون من تراجع أعمالهم بنسبة مماثلة".
مرافقونا الذين ساعدونا في اجراء مقابلات قالوا إنّ عشرات الأعراس تأجّلت أو ألغيت في الشهرين الفائتين:"أصحاب الصالات يقولون ذلك، ونسمع من معارفنا أنّ كثيرين قرّروا تأجيل زيجاتهم ريثما تتضح الأمور".
للمغتربين حكاية أيضاً، فهم يبدأون عادة بالوصول إلى بلداتهم وقراهم في مايو، لكنهم "تأخروا هذه السنة وقد لا يأتون، وهم في العادة يشترون الذهب"، على قول الحمصي.
في طريق العودة من المصنع، توقفنا لدى باعة أسلحة الصيد في شتورة. ويقول احدهم طوني عفيش لـ"الراي" إنّ "الجيش لم يطلب عدم بيع الأسلحة، وكلّ ما طلبه هو التشدّد في تطبيق الإجراءات الروتينية، مثل تسجيل اسم شاري السلاح وعنوانه والكمية التي اشتراها".
وعلى غرار بعض جيرانه ممن رفضوا نشر أسمائهم، ينفي أنّ يكون الجيش قد طلب عدم بيع بندقية "بومب أكشن"، ويقول: "انها سلعة يجب عدم تحميلها أكثر مما تحتمل، وقد امتنعت تلقائياً عن بيعها لأنّها لا تغني ولا تسمن ولن أوجع رأسي بسببها".
وبعد…"الدماء" لا تجري في "عروق" البقاع اللبناني كما في السابق، وقلب البقاع النابض، معبر المصنع، تصفر الرياح الربيعية فيه، ويبدو جافاً بلا عابرين ولا ازدحامات… ولا نازحين. انه "التعب الشامي" يرخي بظلاله على البقاع ويجعله شاحباً وباهتاً.