Site icon Lebanese Forces Official Website

مسيحيو لبنان وسوريا!

ليس الولوج الى هكذا مقاربة بالامر السهل، لما تحمل في طياتها من جدلية ترتبط ترابط التاريخ بالجغرافيا المعقدة بين الدولتين؛ او لانفصام وضعي بين شخصية الجغرافيا الطاغية من جهة سوريا، والرغبة في التفلت والحرية، الضاربة في التاريخ من جهة لبنان.

معادلة معقدة، وزادها الزمن العثماني تعقيداً، ولو كان يحاول الاختراق من جديد عبر نفوذ العلاقات الدولية اكثر منه عبر العسكر.

"الجزيرة البشرية" التي استقلّها المسيحيون وأقليات أخرى في جبل لبنان، في ما مضى، كانت عنوان حرية ومتنفساً من الضغط الأكثري الطاغي، تحولت اليوم الى واحة نقاش وجدلية واسعة حول مفهوم الأكثرية الحديثة، والبعد الديني والمدني لتلك الأقلية.

ويسأل المسيحيون يومياً، هل ان الأقلية العلوية التي تحكم سوريا، هي الرافعة لوجودهم واستمراريتهم في وجه "إخوانية إسلامية"، أم ان الوجه الجديد للاسلام المعتدل قد يكون مدخلاً، مطمئناً أكثر؟

ويسأل المسيحيون أيضاً -وايديهم على قلوبهم- إذا كان لكل شيء نهاية، وإذا لم يثبت يوماً استمرار حكم أقلوي ضد إرادةٍ أكثرية، سواء تشكّل هذا الحكم من أقلية إثنية او سياسية او بالأخص مذهبية؛ وكما لم يصمد عبر التاريخ أي إسقاط سلطوي من أعلى الى اسفل، ولو باسم إرادة "الشعب"… حتى أن الاباطرة الرومان عانوا من إرهاصات "ديموقراطية" مجلس شيوخهم، وعلى حجم ذلك الزمان، فأي الحلول بالتالي قد تحميهم كأقلية، اذا ما انقلب السحر؟

ويسألون كذلك، هل يمكن لأقلية ان تحمي أقلية؟ أم، انه، وكما تتماهى الاشياء والافراد، هكذا الجماعات؟ او كما يتنافس فريقان رياضيان مثلاً، ومتساويان في الحجم، في حين يطمح كل منهما ومعظم أعضائهما، الى الانضواء تحت جناح فريق عالمي أقوى؟

وطالما المسيحيون يسألون، فهذا يعني ان كل أقلية تسأل، وتسأل عن أي نظام يحميها سواء في سوريا او في سواها؟ وأي نظام يمكن ان يخرج (بضمّ الياء) مفهوم الأقلية من بوتقتها الضيقة، فتصبح الاكثرية الشعبية، متحرّكة ومترابطة مع المواطنة ومفاهيمها الاكثر حضارية، والتي تجرّها وسائل الاتصال الحديثة، عنوةً الى عالمنا.

الأسئلة كثيرة وخطيرة، لكن الإحجام عن المجازفة في طرحها أخطر، ومن دون كثير ولوج في نظريات ابن خلدون او راسل حول ترتيب الأقليات، لا بد من الإضاءة على توصيف احد الفلاسفة، الذي لاحظ يوماً "ان الحضارة تنطلق من زحف أكثري على وقع خطى أقلية مبدعة، وتمشي على أنغامها، ولكنها تنهار عندما تتحول هذه الأقلية المبدعة إلى أقلية مسيطرة تسوق الناس بالسياط، والذل والرعب والعذاب".

صحيح ان الإجابات أو المرحلة غير واضحة بعد، لكن المواطنة التي تصنع وطناً، قد تصنع تاريخاً افضل من أقليات وأكثريات تحتمي بعضها بالبعض الآخر، عوض ان تحمي بعضها البعض، وتحت عنوان وطن!

Exit mobile version