ركب الرئيس الاميركي موجة الربيع العربي، وربط بين مستقبل بلاده ومستقبل الشرق الاوسط، أو على الأقل حظوظه في ولاية رئاسية ثانية العام المقبل، بمدى تسويقه فكرة نشر الديمقراطية والاصلاح ومساعدة الشعوب "المقهورة" لنيل حريتها، وهي شعارات "جذابة" للناخب الاميركي.
اوباما اعلنها صراحة: لقد "تغيّرتُ" على وقع متغيّرات الشرق الاوسط، فبعد مسلسل نكسات داخلية وعدم قدرة على تنفيذ "الحد الادنى" من الوعود الانتخابية "البراقة" ووصول شعبيته الى مستويات متدنية قياسية قبل اسابيع، مع رزوح الاقتصاد الاميركي في ركود عميق، وفشل الديمقراطيين والجمهوريين في الاتفاق على موازنة، واضطراره الى الكشف عن وثيقه ميلاده لتثبيت هويته الاميركية تحت ضغوط المنافسين، اتت عملية قتل أسامة بن لادن بمثابة طوق نجاة اعاد البريق الى نجم اوباما، وهو اليوم يحاول الافادة من "الربيع العربي" وفي قوة كأحد ابرز عناوين انجازاته وسياسته المستقبلية.
اذاً، التغيير في الشرق الاوسط غيّر اولويات اوباما، وقلب استراتيجيته رأسا على عقب، فمن الانسحاب العسكري من العراق وافغانستان تمهيدا لانحسار الدور الاميركي في المنطقة، الى استعادة المبادرة من خلال ارساء مجموعة خطط سياسية مالية واعلامية في مختلف البلدان التي تصنع المتغيرات وتعايشها.
وابعد من دعم مصر وتونس اقتصاديا، وتأكيد اقتراب الحسم ضد نظام العقيد معمر القذافي في ليبيا، والدعوة الى حماية حرية المعتقد للأقباط في مصر وللشيعة في البحرين، وبالطبع تسويق "اعلامي" لتسوية فلسطينية – اسرائيلية تشمل اقامة دولة فلسطينية، توقّف المراقبون عند لهجة اوباما ازاء النظام السوري لتبيان حقيقة الموقف الاميركي مما يجري في بلاد الشام وفي اي اتجاه ستبذل واشنطن الجهد نظرا الى أهمية الدور والموقع السوري في خريطة المنطقة ومستقبلها.
وأكّدت مصادر البيت الابيض ان تسمية الرئيس السوري بشار الاسد وادانة تصرفات النظام بقيتا مثار نقاش حتى اللحظات الأخيرة. وكان قسم من المستشارين ينصح للرئيس "عدم التورط" في ازمة سوريا حاليا" نظرا الى تعقيداتها وإلى عدم وضوح مسارها مستقبلا… الا ان اوباما اصرّ على توجيه كلامه مباشرة الى الرئيس الاسد. وأبعد من اللهجة المرتفعة والدعوات إلى التغيير والعقوبات "المحدودة" ضد رأس النظام السوري واعوانه الاساسيين، اكدت اوساط الادارة الاميركية ان نظرة واشنطن الى "الازمة السورية" تمر عبر:
– مصالح واشنطن في الدرجة الأولى؛
– مصلحة إسرائيل في الدرجة الثانية؛
– مصلحة تركيا وطموحها في الدرجة الثالثة؛
– المخاوف من تثبيت ايران رجليها على المتوسط في الدرجة الرابعة؛
– مصالح روسيا في الدرجة الخامسة؛
– أخيرا مصالح الدول والانظمة العربية الحليفة.
وهنا كشفت اوساط الادارة ان تقييم الأزمة السورية وسبل التعاطي معها هو موضع دراسة دقيقة وتشاور "مفتوح" مع الحلفاء، وأبرزهم رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتانياهو ورئيس الوزراء التركي رجب طيّب اردوغان وعدد من القادة العرب… ورجّحت الاوساط ان تصعّد واشنطن تدريجا لهجتها وضغوطها على دمشق، كاشفة وجود انقسام داخل اروقة صناعة القرار الاميركي بين اتجاه يدعو الى التضييق والضغط بكل الوسائل المتاحة على نظام الاسد لتشجيع المزيد من شرائح المجتمع السوري على التحرك ضده بغية اضعافه لاسقاطه، وبين آخرين ينصحون باتباع سياسة الجرعات وانتظار عمل الدبلوماسية التركية بعد كل جرعة، والعمل على اقناع الاسد بالابتعاد تدريجا عن طهران وحزب الله والتجاوب في ملفات أمنية وسياسية تعتبرها واشنطن حيوية بالنسبة الى مصالحها. ويخشى بعض مستشاري اوباما ان الضغط المتواصل على دمشق قد يدفعها أكثر فأكثر الى احضان طهران وسلوك خيارات تصعيدية مقابلة من خلال الفلسطينيين وزحفهم في اتجاه الحدود بالتناغم والتنسيق مع حزب الله.
الاوساط المتابعة افادت أن ابرز ما رشح عن تقييم البيت الابيض للأزمة في سوريا، بعد تقاطع عدد كبير من التقارير يختصر بالآتي:
– الاحتجاجات مرشّحة للاستمرار في مناطق متعدّدة لأن اسبابها عميقة وأمدها قد يطول.
– هناك تداخل مصالح وسياسات للاعبين اقليميين متعددين يساند معظمهم الاحتجاجات في قوة.
– وقوف أغلبية الإعلام العربي الى جانب الاحتجاجات وإسهامه في دعمها في صورة مباشرة وكثيفة.
– متابعة لصيقة لموقف الجيش بقطاعاته المختلفة مما يجري.
– متابعة موقف تجار الشام والمدن الكبرى.
وختم التقييم ان المعارضة السورية مشتتة، وهناك شبه غياب لأي بديل من داخل النظام كما حصل في مصر وتونس، اقله في المدى المنظور.
وهنا، من المتوقع ان تنقل الادارة الاميركية ضغوطها، بالتنسيق مع الاتحاد الأوروبي ضد دمشق الى مجلس الامن، وان تحرك بالتزامن ملفات حقوق الانسان للتلويح باستخدام المحكمة الجنائية الدولية والعمل على تسريع اعلان القرار الظني في المحكمة الخاصة بلبنان ومهمتها محاكمة قَتَلة رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري، اضافة الى تحضير رزمة جديدة من العقوبات المالية والاقتصادية، وبالطبع تنشيط العمل الأمني والاستخباري والاعلامي.
مراقبون اعتبروا ان اوباما، وبعدما كسدت حقوله داخليا، يحصد ما زرعه سلفه جورج بوش الابن في الشرق الأوسط، وان توجيه بوصلته في اتجاه المنطقة العربية هو خيار استراتيجي سيسعى للافادة منه انتخابيا الى اقصى الدرجات، وبالتالي سيضطر الى الغوص في ثناياه وتعقيداته. وهنا اكد المراقبون ان سوريا، وليس ايران، ستشكل ام المعارك بالنسبة إلى اوباما نظرا الى ارتباط الملف الايراني بتوازنات واستراتيجيات تتعلق بباكستان وافغانستان من جهة، ولما قد يشكله التغيير في سوريا من ايجابيات تصب في مصلحة واشنطن، أكان ذلك عبر تحوّل النظام نحو الاصلاح والديمقراطية، والأهم الابتعاد عن ايران من جهة، ام من خلال استبداله بآخر حليف من جهة اخرى.