"متل الشاطر بالآخر بدو يمشي": هذا ما قاله الرئيس نجيب ميقاتي عن العماد ميشال عون لأحد الأصدقاء المشتركين معتقدا أنّ الكلام لن يصل، وإذ به يصل بالتفصيل إلى عون الذي لم يكتف فقط بالرد الانفعالي بين الجدران المغلقة، بل بدأ برفع السقف ضد ميقاتي، بشكل يوحي كأنّ الخيط الرفيع اقترب من أنّ ينقطع.
من رأى غضب عون على ما نقل له عن ميقاتي لاحظ أنّ الجنرال أبدى تعجبا لقلة الخبرة لدى الرئيس المكلف في تقييم من يتعامل معهم، وأنّه تعجب أيضا لكون ميقاتي لم يعرف إلى الآن أنّ "الكيدية" وعامل استثمار الوقت بقصد الاستنزاف، سياسة لا تنفع مع الجنرال الذي وإن يبدو في أحيان كثيرة أقرب إلى سلوك درب الانفعال، إلا أنّه يعتمد تكتيك النفس الطويل المقرون بعناد وتشبث بما يعتقد أنّه قادر على نيله من أهداف، وهو تكتيك سيستعمله مع ميقاتي حتى النهاية.
وعلى ما يبدو فإنّ الجنرال سيستفيد من حالة الفراغ التي تعيشها الأكثرية الجديدة كي يتمسك بشروطه، والفراغ في هذا التوقيت بالذات هو الوجه الآخر لانعدام وجود ضغوط حقيقية من الحلفاء على عون، فلا "حزب الله" قادر ولا هو راغب في الضغط على الحليف الأوثق، ولا القيادة السورية قادرة ولا راغبة أيضا في ممارسة الضغوط، ولا عون بالطبع في وارد تسهيل مهمة ميقاتي في تشكيل حكومة لا يعتبرها عون ترجمة حقيقية لفرصة نيل كل الحصة المسيحية في السلطة التنفيذية وفي الإدارة والقرار.
وما يعزز تصلب عون شعوره بأنه يشكل حاجة لـ "حزب الله" ولسوريا، فالطرفان ليسا في وضع يؤهلهما لإزعاج الحليف المسيحي، لا بل يمكن اعتبار أنّ كليهما يتطلع إلى إرضاء الجنرال بشكل عملي، وإلى الاكتفاء بالضغط على رئيس الجمهورية، مع اعتماد سياسة ترهيبه بالقدرة على هز الوضع الأمني على طريقة تحريك القطاعات المطلبية، ومنها قطاع النقل، حيث اضطر رئيس الجمهورية إلى التدخل شخصيا لدى وزيرة المال لإعطاء التقديمات بغية تفادي هز الاستقرار، هذا مع العلم أنّ "حزب الله" كان يقف في الصورة الخلفية للإضراب متحضرا ومستعدا لتحويله إلى شرارة ربما كانت ستشعل حرائق لا تنطفئ.
وبالإضافة إلى كل هذه العوامل، فإنّ ميقاتي بحسب ما يتوقع عون، أوقع نفسه في مأزق ليس في استطاعته أنّ يخرج منه، خصوصا إذا ما اعتقد أنّ عامل الوقت يلعب في مصلحته، فإذا كان الوقت من وجهة نظر الرئيس المكلف سوف ينهك عون ويخرج "حزب الله"، فإنّ الواقع يدل على انّ عون مستعد للانتظار إلى ما لا نهاية، وإنّ الحزب الذي يبدو شكلا في موقع المحرج، لن يقوم بتقديم هدايا مجانية لميقاتي قد تؤثر على علاقته بعون، خصوصا وأنّ إشارات عدة قد صدرت عن الرئيس المكلف لا توحي بالاطمئنان، آخرها، قيامه بتأجيل موعد اجتماع كان مقررا مسبقا مع الخليلين، ليحلّ مكانه موعد لقاء السفيرة الأميركية، فسره "حزب الله" انصياعا للضغوط الأميركية في الشكل والمضمون.
بعد هذه الأشهر الطويلة، بدأت أزمة تشكيل الحكومة تأخذ شكل التحدي السافر، بحيث لم يعد السؤال حول من سيصرخ أو يتنازل أولا، بل حول اقتراب انطلاق مرحلة جديدة تبدأ من إعلان الأكثرية أنها لم تعد أكثرية، والتصرف على أساس أنّ مرحلة ما بعد إسقاط حكومة الحريري قد انتهت، وربما لا يكون موقف وئام وهاب الداعي إلى تشكيل حكومة وفاق وطني فقط بداعي حشر ميقاتي والتلويح له بكل الخيارات، بل يكون إعلان إفلاس مسبق، يمهد للاعتراف بأنّ "حزب الله" وحلفاءه أصبحوا في حاجة إلى من ينتشلهم من مأزق متصاعد، وأصبحوا كذلك جاهزين لسلوك الطريق نفسه الذي اختارته حركة "حماس".